حضارة تصعد وأخرى تسقط !

ماذا يعني حضارة؟

التعريف الذي يقدمه مؤلف «قاموس الأنثروبولوجيا» للحضارة أنها: «درجة من ثقافة متقدمة نوعًا ما، تكون الفنون والعلوم وكذلك الحياة السياسية فيها على درجة كبيرة من النمو».

ماذا يعني أن الحضارة درجة من الثقافة؟

لنميز الحضارة عن الثقافة، الثقافة اكثر عمومية من الحضارة، فالثقافة هي كل ما يشكل مجتمع محدد عن الاخر من حيث اللغة والعادات والتقاليد والإنتاج الفكري و المادي. وتكون الحضارة جزءا من تلك الثقافة، ولكن الحضارة قد تشترك مع بلدان او مدن عديدة، فقد نرى حضارة ما تشترك في تكويناتها مع دول عدة شرقية وغربية مع اختلاف ثقافتهم من اللغة والعادات والخ. الحضارة هي أول ما تقع عليه أعيوننا عندما نتعرف على مدينة جديدة سواءا كان انطباعنا انها حضارة بدائية أم حضارة متقدمة. ويتضح ذلك من خلال المشاهدة في أرجاء المدينة وعمومها. ففي الحضارة المتقدمة لابد من انتاج ملموس “انتاج مادي مشاهد” يكوّن كثيرا من العناصر منها التصاميم المعمارية الحديثة والبناء التحتي القوي والثقافة والخدمات المدنية المعاصرة والمبتكرة والتي تخدم وتربط كثيرا من الأغراض لخدمة سكان تلك المدن وحاجياتهم، إنها شكل من أشكال العبقرية المتمثلة في الأرض لخدمة الانسان. كما تزهو في الحضارة كل أشكال الفنون تقريبًا، و تتميز بالإنتاج الصناعي والثقافي الحداثي سواءا في الإعلام او في مصادر الثقافة التقليدية كالكتب

لكن وكما أن لكل حضارة بداية ومسيرة صعود لتنتهي بالانهيار و النهاية ثم تحل مكانها حضارة اخرى تبني نفسها على علوم الحضارة السابقة، فتكمن برأيي النقطة الجوهرية في تدهور او صعود اي حضارة، في التشريعات وطريقة تطبيقها، بمعنى اخر ما هي التشريعات التي تعمل الأمة بموجبها وكيف يتم تطبيقها ؟

إن أول ما يبحث عنه الإنسان هو بلد آمن

في كل حضارات الدنيا توجد الكثير من القوانين التي تجرم الفساد مثلا، لكن معضلة تلك القوانين في طريقة تطبيق الأنظمة ذاتها، فكيف تتعامل الدولة مع ظاهرة الفساد مثلا؟ وماهي التشريعات التي تتخذ لمعالجة معدلات الإجرام وانتشارها؟ هذا هو ما يجعل امه ما تصعد على القوانين التي شرعتها، وتجعل أمه اخرى تتخلف نتيجة للكثير من الأسباب المختلفة والتي منها ضعف التنظيمات وهشاشتها. والتي تخل من إنتاجية أفرادها، فعندما أقلق على حياتي لا يمكنني أن أدفع أموالي لبناء شركة كبيرة في ذلك البلد، وعندما يحتكر السوق تجار كبار فقط لا يمكنني المساهمة الا في اطاراتهم، وعندما تدعم الدول أولئك التجار تقتل الفرص الأخرى للأفراد. فالقوانين موجودة ولكن تطبيقها هو ما يشكل الفرق.

فالتعاملات التجارية او التشريع التجاري وحفظ حقوق الأفراد على طول السلم الاجتماعي هي أمور مهمة لتدعيم حضارة اي أمة، لان الأموال ومستوى الاقتصادي لاي حضارة هو ترسانة مهمة جدا في إعطاء الأدوات لبناء الحضارة بعد ارتفاع مستوى الأمان فيها

من جهة أخرى، هناك تشريعات كثيرة تجرم كثير من الممارسات الخاطئة ولكنها غير قادرة على ردعها، مما يتسبب في تفشي تلك الممارسات في المجتمع، وفي آخر المطاف تبدأ تلك الأمة بتقبل ذلك النوع من السلوكيات الخاطئة والتعايش معها .. من هنا عندما تموت الرغبة في ردع الممارسات الفاسدة يبدأ المجتمع يتشبع بها الى أن يؤثر هذا الموت البطيء بالحضارة ذاتها فتبدأ تتدهور حتى تتلاشى أسمها ووجودها كتأثير.