رأيت انهم ناعمين جدا بالكاد يلامسون الأرض أثناء مشيهم .. صدقني .. انهم يسيرون بيننا ككتلة بالون لا يملأها الا خفة الهواء .. لو ترى تلك التعابير الممتلئة! لن تصدق .

لقد دخلو علينا في المناسبة التي دعاني اليها بعض الأصدقاء .. لا أظن انها كانت دعوة جادة ولكني ذهبت اليها على كل حال .. انت تعرفني إنها ليست البيئة التي اسبح فيها .. تحدث أمور سيئة هنا لا يمكنني ان اخبرك بها.. أمور كثيرة مزعجة ولكنها ممتعة .. كما اعلم انها ستسرك لو تعرفت الى هذه المفاجآت عن قرب .. لا شي في هذا المكان يبدو بهيئته انه عالم يستحق ان نستكشفه.

إصغي إلي لأسرد عليك بعض هذه المهازل الأخلاقية، قبل أن يبدأ الحفل لم أجد احدا ألقى التحية علي كأني صرت شبحًا، او حتى الاعتذار عن سوء تصرفه معي .. تخيل ! لقد كنت جالسةً ع احدى المقاعد مع مجموعة من المدعوين البسطاء، لكني كما تعرفني مللت سريعا فنهضت لاسلي نفسي بفنجان شاي وأردت اضافة السكر اليه وهذه المرة فقط لكي لا أكون وحيدًةً جدا ومستاءةً وكئيبة أيضا .. بعد لحظات قصيرة من نهوضي استدرت للعودة لمقعدي فتفاجأت بفتاة طويلة وسيئة الخلق تستولي ع مقعدي وكأنها لا تراني .. فأخبرتها .. ولقد اجابتني هذة المعتوهه قائلة: “اوه عذرًا يمكنك الجلوس في المقعد الاخر انه شاغر” . ثم التفت متظاهره بالانشغال في حديث مع امرأة تجاورها.

يا لها من افتتاحية لطيفة ! فقط عليك ان تكون صبورًا معي انني ع وشك الانفجار الان

ذهبت لأجلس في مقعد اخر وقد قررت ان يكون مقعدا أراها فيه امامي لأنها بجحاء و أردت ان اسجل هذا الوجة في رأسي مع بعض الملاحظات التي سأخزنها بذهني طويلا .. اسندت ظهري وأنا احتسي الشاي ومنشغلة بمراقبتها وهي تصلح زينتها بكثير من الاهتمام، ثم قامت بعد وقت قصير جدا لتجلس في الطرف الاخر للصالة .. كان انسحابها محبطًا لي فأنا اشعر بالملل صدقني

نظرت حولي وأدركت ان جل الحضور كان يصلح زينته في ذلك الوقت، كان الجميع ع مايبدو ينتظرون احدا ! .. لا اعلم من سيأتي حتى دخل الضيوف المنتظرين للحفل .. أولًا دخلت الفتيات ثم الأم ثم تبعهم الأخوة .. انهم أربعة أخوة فارعي الطول وثلاث فتيات مغرورات وأم بغيضة .. كان هذا الحفل ع شرف هذة العائلة .. لقد دب الحضور اليهم سريعا ي صاحبي .. يا لنا من كائنات مثيرة للشفقة .. تلك الفتيات الحالمات لقد احاطوا تلك الام المسكينة بالسلام والقبلات والمجاملات الكثيرة .. ولقد بدى ع الام بعض الانزعاج .. تلك الأحلام الكبيرة التي تنسجها الفتيات .. انهن يقاتلن لهدف .. يمكنك ان تلحظ بعض محاولات التغنج الكثيره منها والفاشلة .. خصوصا ان أولئك الشبان لا ينظرون ابدا .. او لا يرون شيئًا .. العائلة جميعها مصابه بالعمى فيما يبدو و لا تتحدث ابدا .. ولا يلتفتون أيضا .. اشعر بتيارات الهواء وهي تحجب أصواتنا عنهم ونداء المعجبين لهم .. لحظات ولم أرى شيئًا خلال هذا الاحتشاد .. لكني كنت ارى رؤس الشبان تطل من هذا التجمع وملامح الذعر والأنفة تملئ وجوههم. نظاراتهم بعيدة جدا .. يكفي كل هذا الطول حتى تنهار مطامح الفتيات تحته ..

قالت لي إمرأة خلفي: لما لا تلقين عليهم التحية لقد سبقك جميع الفتيات ؟ فقلت لها من أولئك؟

فأخبرتني ولكني لا اريد ان أخوض الان في تفاصيل عن تلك العائلة والحضور مهووسون بهم ع انها تبدو لي عائلة مقرفة جدا. ماهي الا لحظات حتى جلست العائلة في صدر المجلس بعد ان افسح لها الطريق وعلى مائدة كبيرة وفخمة جدا .. ما الذي يجعلهم اصحاب لتلك المائدة دوناً عن الباقيين برأيك؟ .. أمر عجيب .. لا تبدو لي انها عائلة مساهمة او متكافلة! الشبان الأربعة يبدو وكانهم مصابين بالتوحد الاجتماعي. ما الذي يجعلني أسعى التقاط صورة بجانب شاب يعاني من مشاكل في التواصل مع المحيط

نعم .. لقد كان عدد من الحضور يطلبون أخذ صورة بجانب العائلة وعلى المائدة أيضا تخيل حجم الشرف الذي يشعر الناس به .. لقد اضحكتني جرأة بعض المدعوين .. كانت بعض المشاهد ممتعة عندما يزعج الحضور العالم الهادئ لدى احد أفراد هذه العائلة المسالمة .. لا يمكنني منع نفسي عن احداث بعض الكوارث .. اريد ان انفخ بشدة فقط أمام تلك الفتاة التي القت نظرة مشمئزة علي ثم رفعت عينيها .. كيف تتجرئين للنظر للسماء ايتها البالونة؟ ليتها تعرف ان السماء تريد ان تصرخ لتهرب بعد هذا العار الذي لحق بالسماء من تلك النظرة الفارغة

‏ومن سخرية القدر أنني رأيت في ذات المساء .. لا اعلم كيف أصفه ؟ هل جربت ان تسهر في عتمة الصحراء ليلة واحدة مظلمة الا من وهج النار الهادئ والخافت أمامك ؟ كتلك الليالي الطويلة الحالمة .. لا اعلم ولكنه يبدو لي رجل كهذة الليلة الهادئة ..ولكنه لا شيء هنا.. صدقني ..لقد كان لا شيء في هذة المناسبة .. لا اعلم كيف تشيح الأنظار عن شخص كهذا … لم يكن شيئًا ! .. لا اصدق .. رجل بثقل الصحراء واتساعها لم يكن سوى دلالاً! .. لقد كان رجلا أسمر ملامحة هادئه .. كان رقيق كحبات الرمل أمام الريح .. أشعر بذلك برغم من مظاهر قسوته .. صادق كالسماء الصافية .. يبدو هادئ اذا ما شتمته .. ثائر كحرارة الأرض ع الظلم .. نعم قد يكون هائج ع الرذيلة ولكن الماء القليل يطفئه .. ومتوارٍ كجرذ … إنه متوارٍ كجرذ! نعم .. يا الهي وتلك العائلة ! كيف لي ان اصبر اكثر ع هذة المهازل ؟

عندما بدأت المناسبة التي اجتمعنا عليها لاحظ رجل -بدى لي مألوفًا- شرودي واستيائي فقترب مني وسألني اذا كان هناك ما يزعجني ؟ فأخبرته انني أتأمل فقط في طبيعة المدعوين ..لم اكن أُدعى الى مناسبات كهذة لذلك اظن ان هناك بعض الصدمة التي اشعر بها الان والتي لا أستطيع ان أتجاوزها في هذة اللحظة لذلك اعذرني .. اظن انني لست مناسبةً لمثل هذه الدعوات .. يبدو لي ما أراه مقلوبا رأساً ع عقب وكأنني في لحظات سيريالية .. اعذرني ارجوك سأصمت ! لا اريد ان اؤذيك بأفكاري

لكنه الح علي ان اخبره بما أراه مزعجاً .. فأخبرته ! ماافعل لم اكن اطيق الصمت .. احمد الله انه طلب مني ان اتحدث حتى لا افر بنوبات جنون مفاجئة .. لقد أخبرته بانني لا احتمل القعود في هذا الكرسي الأنيق والمريح ايضاً وذلك لأن تلك الفتاة الأنيقة التي تجلس امامي في صدر المجلس تلقي علي بعض النظرات التي تثير أعصابي .

لقد اعتذرت منه كثيرا .. لا اعلم ما اقول لك لقد تبين ان هذه الكتلة الطائرة التي كنت احدث الرجل عنها .. كانت اقرب أصحابه وان هذا الرجل هو صاحب المناسبة .. مالذي رماني هنا .. أردت ان اتمزق أمامه بسبب ذلك .. انها لا تنظر لاحد .. مزعجة جدا .. صدقني انها دمية محشوة فقط لا اكثر، وكانت تأمر وتنهى طول مدة المناسبة .. انها فارغة اشعر بذلك من نظراتها السطحية .. لن اظلمها ان قلت لك انها بلهاء ايضا .. ولكني لم اخبره بذلك اكتفيت بان اذكر له انزعاجي من مقعدي أمام تلك الفتاة .. فأخذني لمقعد اخر أمام ذلك الوجة الساكن .. تلك الصحراء التي أخبرتك عنها .. لم يكن هناك مقعد شاغر لذلك أخذني -حمدا لله- الى طرف المائدة .. وظللت أتأمل بهذا الرجل .. اريد ان اخبره انه يستحق ان يجلس في صدر المائدة .. فقط بسبب هذة الهيئة المهيبة والسحنة الهادئة .. ولكني لم أحظى بفرصه للتحدث معه .. ولكني اصدقك انني لم اخفي إعجابي و لم اتورع بنظراتي له .. لكنه رغم ذلك لم يكن يكترث وهذا ما زاد من شوقي للتحدث معه .. مالم افهمه ويعجبني ان لا احد مبالٍ به ..شعرت انني اريد ان أقدمه للناس ..ع كل حال لم تطل الساعات كثيرا حتى تأخر الوقت علي ولكنه لم يتأخر ع الكثير من الفتيات .. ولكنني شعرت انه علي المغادرة لن ترضيني الساعات المقبلة في هذا المكان

لقد حاول الداعي ان يعيق خروجي عند طرف الحفل .. لقد اخبرني انني سأعتاد بمجرد ان احضر .. لقد ضحكت بشده في داخلي .. انه طالع من شيطان .. هل تدرك ما يشير اليه هذا الماجن؟ .. هل أبدو مهتمة بثروة تلك العائلة وسمعتها؟ الى ما يشير هذا .. ولما دعاني ذلك الصديق .. لقد سقطت في وحل يا اخي صدقني .. لقد صحبني الى خارج الحفل وذكر لي انه مهتم بدعوتي مره أخرى في ظروف تناسبني

شهقت وأخبرته انني اتيت من عالم اخر ولم يثيرني شي في هذا المكان الا رجل واحد سيكون صوابا منه لو التفت اليه واهتم بحضوره اكثر في مناسبات قادمة .. لقد قلتها يا اخي وانتهى الأمر .. ثم ذهبت وناداني سائلًا اياي: ما رأيي به؟ كانت صيغته يعلوها اعتقادات مسبقة .. فتوقفت لا اعرف ماذا اخبره .. لا اريد ان أكون فضةً أمام هذا الرجل الغريب.. ولكنه الح بصراحتي ان كنت امتلك الجرأة .. يبدو ان هذا الرجل قد راقب انطباعاتي جيدًا اثناء الحفل .. لما تدعوا عائلات كتلك فتاة سليطة اللسان مثلي وحادة النقد .. هل أرادوا ان احرر مقالا اتبارك فيه بمعرفتي بهم ! انت تعلم أني لا اكتب سعيًا لغايات وإحضيات اجتماعية .. لا تعلم تلك العائلة مع من ستتورط اليوم .. أنا اكتب كما اشعر انت تعلم بهذا

قبل ان انطلق لمنزلي قال لي الداعي ما سأنقله لك الآن

‏قال: كيف تريني ؟ انظر لهذا الشيطان

فقلت محاولا الابتعاد عن سؤاله: انني ارى انك محاط بكومة بالونات فقط

‏فقال مستدركًا إجابتي: انا سألتك عن نفسي .. ارجوكي لا تتهربي من سؤالي

‏قلت في محاولة مني للتلطف والتمويه: انني ارى انك والكثير مثلك تسيرون كالذي يمتر الارض اثناء سيره لتقتحموا حدودنا .. او كمن يبحث عن شي في الارض او في مكان ما ليسلبه منا

فقال بفضاضة: ارى انك تسيرين كمن لا يرى احدا .. تريدي ان تخرقي السماء بمشيك وكأنه لايوجد سواك ع الارض !

‏صمت وألقيت عليه نظره فاحصة .. هل قلت شيئًا برأيك افسد عليه غايته ! قال لي سريعا: اتريدين ان تضيفي شيئا؟ فضحكت لانه قد أشار الى بوادر حرب حديث ستحدث ! ولكني تقبلت ما قاله .. انه يريد مقالا فلمًا أجيبه الان ؟ !

قلت : لن اخرق السماء .. كما انني لا اريد ان ارى احدا يكفيني ان أكون مشتغلة بنفسي .. كما انني لا أتباهى بنفسي .. ولكني اعبر عنها أرجو ان تتفهم ذلك

‏فقال بفضاضة شديدة لا استحقها، انني رغم صلاحي املأ في نفسي ظلاما تجاه الناس .. لقد أردت ان اسقط واعود الى بيتي زاحفةً كتمساح .. انه يشير الي بالظلام .. ياله من ماكر ..

أخبرته انني أتقبل رأيه (الآن ع الأقل) ولكني لم أتوقف عن الاستهزاء بكل كلمة قالها اثناء عودتي .. انا لا أبرئ نفسي .. ولكني ادعوك مصرةً على ان تصحبني في أمسياتهم القادمة حتى تحكم علي .. لن اقول اكثر من ذلك .. وسؤأجل اي سمعة قد الحقهم بها الان

ارجوك اقبل دعوتي لك ستكون أمسية قريبة جدا .. ارجوك ان تأتي سأصمت وادعوك لترى ثم لنحكم

الى اللقاء

المعلق:

مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.