قصة..

(1)

 

‏لا أعلم ما الذي قادني الى قرية أبي القديمة ليلا، لم اشعر بنفسي في ذلك المساء عندما وقفت بمنزلي ابحث عن شرفة لألتقطت أنفاسي منها. كان صداع تلك الحياة فضيعاً. لقد طفت أرجاء البيت أبحث عن نافذة تتسع لرئتيا، ولم أرى سوى اني قد تولعت باللوحات الكثيرة التي صرت أرى فيها الآن تجسيدًا لألوان همومي الصارخة. كان منزلي هادئاً ذلك المساء وكذلك هو الحال في أغلب الأيام على انني لم أشعر في أي يوم بذلك الهدوء الذي اجده فيه. كنت دائما ما اتخيل حياتي كالطريق السريع ليس به إلا مجال رؤية واحدة أو كالخط المستقيم لا معنى للحياة العريضة الا في خيالي. تمنيت لو ألتفت لأرى حياة شخص آخر في مجال رؤية أخرى ولكن الثواني لا تسعفني فطريقي تشاركه حيوات أشخاص كثيرين مثلي، وكلنا نسير باتجاه واحد لهدف نعلم وجهته .. لمستقبل أعد لنا سلفاً.

لقد سمعت روايات أبي عن حياته في القرية التي دائمًا ما كنت أتخيلها بزاوية عريضة، لا نهاية لعرضها. وكان يساورني الفضول تجاه القصص الغريبة التي سأجدها تكتنف هواء القرية لو انتقلت بالزمن لأكون مع ابي في صغره وأشاركه رواياته التي رآها أو لأكتشف رواياتي الخاصة.

حينما أخذت طريقي في القرية أستوقفتني المنازل الخالية وبعضها المهدم، عندما أتلمس طريقي في ممراتها لا أستطيع ان اجزم بانها غير مأهولة. نسيمها يعبر من خلالي، بارد ورطب. اتخيل احيانا ان هوائها يتبعني .. او يسبقني اثناء عبوري لباب منزل مكسور، ويفاجأني أثناء صعودي لسطح منزل اخر. أكملت سيري عبر ممراتها وأنا قاصد تلك الروايات التي كان ابي يقصها علي، كان القمر بدراً وكان ينير لي إنحناءات ازقتها المفاجأه، وكنت أرى شواهق من النخيل العالية بعضها يطل علي من ساحات بساتين احدى المنازل الكبيرة، وكثير منها أرى أعناقها من بعيد والرياح تداعب جريدها، منظر هذة النخيل تجلب لي السكينة، لابد أن مزارع القرية كانت هناك. يدهشني أن النخيل مازالت نظرة برغم من تراكم السعف اليابس حول أعناقها. أنعطفت كثيرًا في الأزقة الملتوية حتى رأيت في السماء خيط دخان أسود كثيف يرتفع قريبا مني فقصدته، ثم سمعت بعض الجلبة والضجيج وأصوات نساء يبكين .. انعطفت من احدى الأزقة الضيقة باتجاه الأصوات ورأيت خلفة مشهد لحياة قابعة في القرية .. سكنت مكاني، لقد اصمتتني المفاجأة .. خلف تلة صغيرة عند اخر الزقاق الذي حجب الرؤية عني للحظات ثم أتسع كثيرا أمامي، رأيت طفلة تعدو باكيه نحوي وهي تتخبط في جريها باتجاهين كخط مموج لم تكن تقصد شيئًا سوى الهرب والبكاء .. ثم سقطت خلفي وأخذت تنتحب: ماتت جدتي تكراراً وهي تضرب الأرض برجليها ويديها. امسكتها وقربت وجهي منها لسألها فأشاحت وجهها عني وهي تصرخ وتبكي: لقد ماتت جدتي. فأدرت نفسي لتراني لأستطع أن أتحدث إليها لكنها ظلت تشيح وهي تصرخ وتضرب. أمسكتها بيديها برفق ورفعتها بين يدي ثم سألتها مايبكيك؟ لكنها دفعت وجهها لكتفي. فأمسكت وجهها وسألتها أين جدتها؟ فلم تجبني واستمرت بالبكاء والصراخ. شردت ماذا علي أن أفعل؟ .. تقدمت وهي بين يدي حتى أستطلع الأمر بنفسي وقصدت الوجهة التي جاءت منها ثم سرت عبر البيوت حتى رأيت جذع نخلة قريبة من أحدى المنازل والذي كان يتصاعد منه خط الدخان وصوت أنين يعلو كما اقتربت، سألت الطفلة وهي تأن على كتفي: أهذا منزلك؟ ولكنها لم تجبني ايضاً واستمرت تأن وهي تغطي وجهها في كتفي. فدخلت المنزل وأنا أشعر بصمت المكان سوى من أنين الطفلة وإمرأة أخرى بالداخل، كانت توجد عند باب المدخل غرفة مشرعة ومظلمة الا من أنوار السماء والنار البعيدة .. كانت به إمرأة شابة راكعة على ركبتيها قرب السرير .. كان شعرها يسقط من السرير للأرض و كنت أرى بريق الحلي الذهبية على قدميها بانعكاس لهيب النار عليهم .. وكانت إمرأة أخرى عجوز تجلس عند قدمي العجوز الممدة على السرير، عندما رأتني شهقت وغطت وجهها .. فوقفت مرتعد الفرائص لا اعلم ماذا افعل، فاتفتت الصبية التي كانت راكعة قرب السرير ونظرت إلي ثم نادت الطفلة التي بين يدي، أنزلت الطفلة وجرت اليها ثم سمعت حسيس أصوات البكاء وهم يعنقان بعضهما. تنحيت قليلا قرب الجدار لأدع للمشهد مجالا ليستوعبه ذهني وصمت وأنا أراقب المشهد ..

علمت بعد وقت من وقوفي صامتاً أن المرأة التي تجلس عند قدمي العجوز هي جارتهم التي كانت الطفلة قد بحثت عنها حينما رأت جدتها قد مرضت.. ولكن فاجأتني تلك الصبية وانا اتطفل للنظر اليها حينما اعتقدت انها أبنت العجوز والتي لم تكن سوى خادمتها .. فأذهلتني حلي الذهب التي ترتديها، كنت أستطيع ان ادرك جمالها ولكن لم استطع ان ادرك جمال الحلي التي تزين بها معصمها وساقيها .. وعندما اتخطف نظرة قريبة منها ارى بريق قلادة ذهبية حول نحرها او لمعان أقراط اذنيها بين تساقط شعرها .. وكانت ثيابها زاهية وناعمة وبخلاف ماترتديه الجارة والعجوز والطفلة من ثياب سوداء قديمة بالية، كانت هيئتهم جمعيها تعبر عن الفقر والعوز وضيق الحال .. عدا خادمة السيدة العجوز، فأشغلتني حلي تلك الصبية !

نادتني الصبية وانا مستغرق بأفكاري: سيدي لا نملك حق نقلها ودفنها .. أرجوك تكرم بمساعدتنا .. لقد أرسلك الله إلينا. فنظرت اليها وهي واقفة أمامي وقلت بنفسي: هل يا ترى أورثت هذه العجوز أموالها لهذة الخادمة؟ لماذا تبدو لي بهذة الهيئة الزاهية والنظيفة؟ .. او يا ترى قد أقسمت عليها أن لا تستخدم من حليها ما تدفع به ثمن جنازة سيدتها؟! لماذا تقف أمامي بكل ذلك الذهب والأحجار الثمينة لتطلب مني أن ادفع قيمة يمكنها ان توفرها .. لم أفهم. تلعثمت قليلا ثم أجبتها: ألا تملكون حق جنازتها ؟ فقالت: كما ترى يا سيدي إننا نعيش في قرية مهجورة بعيدة رحل عنها كثير من ساكينها إلا قليلا من جيران سيدتي .. لدينا ما نأكله من النخل وقليل مما نزع ونشربه من الماء ولكن ليس لدينا أكثر من ذلك !. صمت ونظرت اليها نظرة ارتياب .. لقد ترددت فعلا في ان اجيب تلك الخادمة واشعر اني لا اريد ان أساعدها .. فلم اجبها وقررت أن أبقى مشاهدا فقط

(٢)

أعترف انني كنت منزعجًا قليلًا بسبب موقفي في الانعزال من هذا المشهد ومن أن أترك هذا المأوى للجارة والطفلة الصغيرة والعجوز الميته دون أن أقدم لهم اي مساعدة. في المقابل لم يكن محتملا انه يوجد في أي زاوية من هذا المسكن البائس أي كنز دفين عدا ما تحمله هذه الخادمة على جسدها. سألت ما إذا كانت العجوز قد تركت أي إرث؟ فأجابتني الجارة مشيرةً الى الطفلة الصغيرة: هذة الطفلة الصماء، والباقي لا أعلم أكثر من ذلك. ارتعدت من هول إجابتها ونظرت بضع لحظات للطفلة المسكينة ‏ثم تأملت وجة العجوز حيث كان فمها متغضناً ومتموجاً كأنه مسحوب من حبال محفظة إمرأة بخيلة معتادة ألا تدع شيئاً يخرج منها. لم يخطر ببالي أنني سأعتني بهذة الطفلة المتروكة ولكن بعد ان خرجت لأستخير الله او بالضبط اثناء الصلاة وأنا ساجد بدا لي أن الله وضع في طريقي نوعا من الواجب تجاه الطفلة المتروكة. حينما انهيت صلاتي كان قراري ان أخذ الطفلة معي من دون أن أتساءل ماذا سأفعل بها ولا الى من أوكل أمرها، ثم ألتفت الى الخادمة الصبية وشاركت الجارة فيما أنوي فعله: من الأفضل ألا تبقوا هنا غدًا عندما سنرفع الجسد وهذا كل شيء. وتركتهما يقرران مصيرهما وخرجت

انطلقت وأنا أحمل الطفلة وأتلمس فيها الحياة وأفكر طيلة الطريق: إنها صماء ولم تكن تسمعني، هل هي نائمة؟ وبأي غفوة تغفو الآن ؟ هل ستسمح يارب بأن حبي يبعد عنها هذا الضياع المخيف في هذة البلدة المقطوعة وهؤلاء النسوة المساكين؟. لقد كنت مهموما كثيرا من حقيقة الاستقبال الذي يمكن أن تحمله لي عودتي الى المنزل، زوجتي هي حديقة من الفضائل، وفي الوقت نفسه في مثل هذة اللحظات الصعبة لا أشك في طيبة قلبها ولكن طيبتها دائما ماتكون مفاجئة. إنها إنسانة نظامية لا ترغب في أكثر من القيام بعملها وهذة هي نقطة الخصام بيننا.

في لحظة دخولي المنزل كانت لحظة تشويش كبيرة لزوجتي وهي تراني أعود مع طفلة صغيرة، كنت أنا نفسي مشوشا بالكامل. أنزلت الطفلة وكانت ركبتيها مطويتين تحتها وعندما كنت اقرب كرسيًا باتجاهها كانت تدع نفسها تسقط على الارض كمن لا يعرف أسلوب الجلوس على كرسي. كانت زوجتي تساعدني ولكن عقلها كان غالبا ما يحملها ضد قلبها: ماذا تنوي أن تفعل بهذا؟ .. قالت ذلك وهي تشير للطفلة المسكينه .. ارتعدت نفسي وأنا اسمع هذة اللفظة منها وجهدت بأن أسيطر على اي حركة طائشة قد تخرج مني. قلت بكل ما أستطيع من تبجيل: بإمكاننا التكلم أمامها بهدوء فالطفلة المسكينة لا تفهم ابدا. لمحت لها اني لم أكن اعلم ما يمكن ان افعله بهذة الطفلة ثم كأن زوجتي بقيت منذهلة وغاضبة قليلا كما بدا لي، حينئذ بدأت زوجتي بالاحتجاج بأنها حقيقة لا تجد شيئًا تقوله لي وأن ليس عليها الا الخضوع في موقف كهذا مخالف للعادة والعقل السليم. على إنني في حقيقة الأمر لم أشر عليها أبدا بأن تسكن الطفلة معنا في منزلنا، لكنها أخذت تصرخ بأننا لم نتمكن من حل خلافتنا بشأن المنزل وعملها، وتعذرت كثيرًا بتعبها وأنني دائما أقرر أمرًا دون أن اقلق مما سيأتي فيما بعد وأنها دائما هي من تتحمل نتيجة قراراتي تلك. ثم بدأت أسمع تأوهات غريبة من الطفلة المسكينة .. صراخاتها لم تكن صرخات بشر بل نباح انتحابي لحيوان صغير .. لأول مرة يقتلع قلبي مشهد كمشهد هذة المسكينة التي ذهب عنها كل من يشكل عالمها. فرجوت بكل رقة زوجتي أن تسأل نفسها إذا كانت مكاني ما اذا كانت لا تتصرف الشيء نفسه، واذا كان من المعقول ان نترك طفلا ليس لدية من يستند اليه؟ .. وأخيرا هدأتها بأقصى جهدي راجيًا منها ان لا تسقط غضبها على البريئة المسكينة، لقد وضع الله على فمي العبارات التي تجعلها تضطلع بالأمر بكل طيبة خاطر لو تركت لها الوقت للتفكير، ولكن فجأة قفز غضبها وأصبح أكثر عنفا عندما اخذت تتفحص الفتاة وتمعنت في حالتها القذرة وصرخت: ولكن! إنها نتنه! نظفها بسرعة، لن أتحمل جهدا اضافيا أنت لا تساعدني ابدا، اذهب ونظفها بنفسك في الخارج لا يوجد شيء في العالم كما اظن هكذة الا القملة!. ومما لا شك فيه ان الصغيرة المسكينة كانت معشعشة بالحشرات ولا أستطيع ان أدافع عن نفسي من الاشمئزاز الذي خطر ببالي وأنا أحشرها قربي.

عندما عدت بعد دقائق بعد ان نظفت نفسي بكل جهدي وجدت زوجتي متهالكة في مقعد ورأسها بين يديها فقلت لها بنعومة: انه مهما يكن من الأمر لقد تأخر الوقت غدا سنقص شعرها ونغسلها كما يجب و رجوتها ان لا تتحدث عن ذلك الآن، واقترحت ان تأكل الطفلة شيئًا. فقامت زوجتي وهي تلقي علي نظرات حاقدة لتعد شيئا.

كانت الوليمة التي أعدتها زوجتي للطفلة صامتة، أردت خلالها ان أروي مغامرتي وأن أحرك شعورها بجعلها تشعر بغرابة العوز التام أو أن أثير شفقتها وتعاطفها مع التي دعانا الله لإيوائها مع كل التساؤلات التي لا اطيق التفكير بها الآن ولكني صمت حتى لا أهيج زوجتي بتفاصيل تلك الحادثة.. أردت ان أنسى الحدث مع ان لا يمكن بكل تاكيد ان افكر بأمر آخر غيره .. كنت مضطربا جدا ولأكثر من ساعة تركتني زوجتي وحيدا في المائدة مع الطفلة، لقد أصبحنا اكثر بعدًا وتحفظا .. نظن أننا أناسًا ناعمين مع من حولنا ولكننا في الحقيقة مغنجون ومرفهون لا اكثر.

 

.. تابع قريبا

التصنيف: 0.5 من أصل 5.

المعلق:

مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.