يا شجرة يابسة خضراء

(الجزء الأول)

– شمال بلدة العيون، أسفل قصر ابن عالج، توجد شجرة سدرٍ تنحني بجذعها نحو الغرب. في موضع الشجرة وقبل مايقارب المائة والخمسين سنة أوصى عواد العجمي ابنة عمه زينب ان تنتظره هناك وأن لا تبرح مكانها الى ان يرجع. وهاهنا قصة شاب وزوجته سأحكيها لكم-

..

نزحت أسرة عواد وزينب الى سنجق الأحساء في نهايات القرن الثاني عشر. كان جدهما ابو فلاح العجمي من قلائل البدو المتعلمين وقد عمل قاضيًا لبلدة العيون بمجرد أن استقر فيها. نشأ عواد وهو يُعلم ان ابنة عمه زينب ستكون زوجةً له. هذة المعرفة المسبقة لم تمنعه من ان يعد الليالي الواحدة تلو الأخرى في انتظار حلول ذاك اليوم الذي ينام فيه معها تحت سقف واحد. ولكن بعد انقضاء شهرين من زواجهما ضرب الطاعون بلدة العيون، وأخذ معه خلقاً كثيرا بما في ذلك اسرتي عواد وزينب.

كان عواد منذ البداية يضيق بحياة الحضر وينسب اليها كل الشرور والأوبئة. كان يعيد على أسماع ابنة عمه انه من الأحرى بهما السفر الى الصمان، حيث توجد قبائل يام ويلح ويكرر في هذا الشأن دون جدوى، اذ ان ابنة عمة لم تكن قادرة على فراق أهلها والنزوح بعيدا عنهم. اما الان، وبعد ان تقطعت جميع الأواصر التي تربطها ببلدة العيون، لم تجد زينب أمامها الا ان ترضخ لرغبة ابن عمها وان توافقه على الانتزاح الى الصحراء.

في صبيحة يوم السفر، ابتاع عواد فرساً وناقة بالنقود التي حصلها من بيع داره. تمنطق بحزام الفشق وعلق بندقيته فوق ظهره وانطلق بصحبة ابنة عمه زينب متجهين شمالاً نحو الصمان. عندما خرجا من نطاق البلد واستقبلا الصحراء بصدريهما، احس عواد نشوة هائلة تملأ روحه. كانت الرمال الذهبية تمتد بلا نهاية تحت السماء الزرقاء وتتلاقى معها في أقصى الأفق. بعد مسيرة ثلاث ساعات وعلى مسافة قريبه من قصر ابن عالج الخاوي عرض عليهما طير حبارى وطفق يخب برقبته الطويلة باتجاه كومةٍ من العوسج تحف غديراً مجاوراً . سحب عواد بندقيته وعبأ مخزنها، وعندما ضغط الزناد انفجرت البندقية حتى كادت ان تقفز من يده دون ان تخرج رصاصة من فوهتها. هرب ذكر الحبارى وهو لا يلوي على اثر.

تفحص عواد البندقية بغيظٍ دون ان يفهم ماحدث. لابد ان هناك خللاً في بيت النار او الخراطيش. عندما افرغ المخزن وعبأه بفشق جديد حصل ذات الأمر، حيث دوى صوت انفجار دون ان تخرج الرصاصة.

«مابال البندقية اللعينة؟»

«ربما أفسد الماء الفشق!»

«أي ماء؟»

«قبل أسبوعين، أنسيت؟ عندما فاض الماء تحت الجدار وغمر الجهة القبلية. كان صندوق الفشق هناك»

«لماذا لم تخبريني؟»

«وما أدراني أننا سنحتاج البندقية؟»

«كيف نسافر ونقطع الصحراء ونحن لا نحمل سلاحاً»

«لا تلمني، لست من وضع الصندوق هناك!»

أطرق عواد والغيظ يأكل صدره. زينب صادقة لا يحق له أن يلومها على هذا الحظ العاثر. كان يجدر به أن يتفقد البندقيه قبل أن يعزما على السفر. ماذا يفعل الآن؟ هل يعود أدراجه؟ وبأي وجه يقابل الناس الذين غادرهم نهائياً؟ فجأة تذكر الرجل المريّ الذي اشترى منه بندقيته. لا بد أنه يحتفظ ببعض الفشق الخاص بها! كان المريّ يسكن في المراح، في الجهة الجنوبية الشرقية من قرية العيون. ان هو ذهب مع زوجته فإن الأمر سيكلفهما نهاراً كاملاً. أما لو انطلق بفرسه عدواً فإن الأمر لن يستغرق سوى ساعة أو ساعتين على الأكثر.

“أنتظريني هنا، سأذهب وأعود سريعاً، لن يكلف الأمر ساعة زمان”

“أين تذهب؟”

“الى المراح، هناك رجل مري اشتريت منه البندقية. لابد انه يملك الفشق الخاص بها”

قفز عواد فوق فرسه وأمسك بزمامها “مهما يكن من أمر لاتغادري المكان. سوف أرجع سريعاً، انتظريني هنا”

استدار عواد بفرسه، وانطلق ينهبُ الصحراء ، ميمماً وجهه صوب المراح وبعد ساعة من الزمن وصل عواد وقرع باب بيت الرجل المري، وكان سروره غامرا عندما فتح المري باب داره. ألح المري على عواد كي يدخل داره لكن عواد رفض قائلا أن اهله ينتظرون رجوعه. أعطى المري عواداً مايلزم من الفشق، بعد أن جربها الثاني فوجدها صالحه. وعندما سأله عن سعر الزهاب رفض المري أن يتقاضى أجراً عنها. شكر عواد المري وودعه وانطلق بفرسه ناهبا الطريق باتجاه قصر ابن عالج.

عندما قطع نصف الطريق تناهى الى سمعه صوت نسوة يبكين. لوى عواد زمام فرسه ناحية النسوة وسألهن عن خطبهن. وقفت امرأة فارعة الطول وسألت عواداً:

“يا أخ، هل انت يامي؟”

أومأ واد برأسه مستغرباً

“ألحق على شيخك! مرت قبل برهة كتيبة من الأتراك ومعهم الشيخ راكان مربوطاًفي القيد”

“الشيخ ابن حثلين!”

تعالت صيحات النسوة، وأخذن يلطمن فوق جيوبهن.وقف عواد مكانه مذهولاً وكأن صاعقة نزلت على رأسه. الشيخ راكان بن حثلين في يد الأتراك! كانت الفكرة كافية كي ينهار عالمه. الشيخ راكان في الحبس! ماذا حل بالدنيا؟ كيف سقط هذا الفارس الصنديد فخر قبائل بني يام في ايدي الأتراك الكفرة؟

صرخت المرأة الطويلة ناهرةً عواداً:

“ماذا تفعل؟ ألا تنتخي؟ لو أني رجل معي بندقية للحقت بالأتراك وحاميت عن شيخي”

“في أي اتجاه سلكوا؟”

أشارت المرأة الى الطريق المؤدية الى البقيق. همز عواد جنبي فرسه ونطلق مسرعا في ذات الاتجاه. وهمس في سره: لن أتأخر عن زينب، ساعة من الزمان وأعود إليك”

عندما لحق بغبار قافلة الأتراك خفف من عدوِ فرسه، وحاول أن يتدارى بالكثبان الرملية الواقعة عن يمينهم. كان عددهم يقارب العشرة رجال، وقد ربطوا الشيخ وأتباعه وأحاطوا بهم من كل صوب. لم يسبق لعواد ان رأى الشيخ راكان بن حثلين ولكنه بمجرد ان رأى تلك الهامة المرفوعة والجبهة العريضة واللحية البيضاء علم يقيناً انه الشيخ راكان. ها هناك عشرة من الأتراك بينما مخزون البندقية لا يتسع إلا لأربعة من الفشق!

شد عواد من عزمه وعقد النية عى مهاجمتهم من الأمام وليكتب الله مايريد.

أجرى عواد فرسه من وراء الكثبان حتى سبق الأتراك ثم انحرف عليهم كاشهاب الساقط وهو يصرخ بأعلى صوته: “صفّر صافي الموت وأنا لا زاله”

التفت الأتراك مفزوعين ناحية الصوت فإذا بأول رجالهم يسقط صريعاً. وجه عواد بندقيته نحو الرجل الثاني ولكنه ما إن ضغط الزناد حتى دوى صوت انفجار في الماسوره لتقفز البندقيه هاربه من يديه. عض عواد على شفته وهو ينطلق بسرعة ناحية الأتراك المتمرسين خلف بنادقهم. عندما حاذى الرجل الثاني رمى بنفسه فوقه ليسقط وإياه على الأرض، ثم أنقض بقية الأتراك فوق جسد عواد بأقدامهم وكعوب بنادقهم. أحدى الضربات أصابته في مؤخرة رأسه فأفقدته الوعي.

عندما أفاق عواد وجد نفسه مستلقياً على بطنه وقد شُدت رقبته وقيدت يداه وقدماه إلى إحدى الرواحل. ملأ الرعب قلبه حين أدرك انه يُساق مع بقية الأسرى إلى مكان بعيد!. زينب تنتظرة الآن ولقد أخبرها أن تبقى وتنتظره هناك مهما حدث!. لايفترض به ان يكون بعيدا عنها في هذا المكان! صرخ عواد كالبعير الهائج وأرغى وأزبد وأخذ يتلوى في قيده فانقض عليه الأتراك بأعقاب بنادقهم وأشبعوه ضرباً حتى فقد وعيه من جديد.

أكتشف عواد لاحقاً أن ابن عودة-الوكيل المخول بتحصيل الخرجية- قام بالغدر بابن حثلين أثناء عشاءه عند الأخير. وعلم ايضاً أن الأتراك لم يقتلوه بعد أن جندلوه أرضاً إثر هجمته الفاشلة لأنهم ظنوة صاحب شأن أو أنه أحد أقارب الشيخ راكان. لكن أكثر ما أصاب عواداً بالفزع هو اكتشافه أن الأتراك يقصدونهم الى البحرين. وأنهم من هناك سوف ينفونهم الى أماكن مختلفة !!!

 

 

(الجزء الثاني)

نفي اثنان من أصحاب الشيخ الى ايران، ونفي اثنان آخران الى العراق، أما عواد فلقد وُضع في سفينة واحدة مع الشيخ كي يتجهوا بهما نحو الباب العالي في اسطنبول.

حاول عواد أن يغافل الأتراك أكثر من مرة, وكاد إحدى المرات أن ينجح في إلقاء نفسه في البحر لولا أن رصاصة هائجةً أدركته أخيراً لتنغرز في عضلة ساقة وتسقطه أرضاً.

وصلت السفينة بعد عشرين يوماً الى اسطنبول، وحُبس عواد والشيخ راكان في زنزانةٍ واحدة في إحدى القلاع الواقعة جنوب إسطنبول. في اليوم الثاني من وصول عواد للسجن عمل كمين للسجان وانقض عليه وشج رأسه ونزع منه سلسلة المفاتيح ونطلق وهو يعرج بساقه الجريحه التي قد اصيبت، ولكن باقي الحراس استطاعوا أن يمسكوا به قبل أن يصل الى البوابة الرئيسية.

لكن من حسن طالع عواد والشيخ راكان أن الحارس الجديد الذي أوكلت إليه مهمة حراستهما-بعد أن سُرح الأول- سمحُ الطباع ولين العريكة وكان يحسن العربية بعض الشيء. كان اسمه حمزة وسرعان ما توطدت علاقة صداقة بين الشيخ راكان وحارس السجن حمزة الى درجة انه كان ينضم إليهما أحيانا داخل السجن كي يصلي الفريضة خلف الشيخ. كان الشيخ يستقبله كل صباح بوجه بشوش حين يلج الزنزانة ومعه الطعام ويسأله عن زوجته وأبنائه، ويقدم له النصائح ويستمع إليه حين يشكو، بعكس عواد الذي كان نادراً مايتجاذب أطراف الحديث مع السجان.

في أحد الأيام -بعد أنقضاء خمسة أشهر على سجن الشيخ راكان وعواد- دخل حمزة متهلل الأسارير وهو يمسك بيدين مرتجفتين بمرسوم أصفر. همس حمزة مخاطباً الشيخ راكان بصوت بالكاد يسمع:”كنت أتصفح وثيقة حبسكما واكتشفت أن كاتبها قام بخطأ أسلوبي يوهم من يقرأها أن الرجل الذي قتل الجندي العثماني في سنجق الأحساء هو أنت يا شيخ. أعني أن كل من يقرأ الصحيفة سيتوهم أن من يقطن السجن واحد لا اثنان! هل تعي ماذا يعني ذلك ياشيخ محمد راكان؟ هذا يعني أنني أستطيع تهريبك من السجن وإعادتك الى ديارك دون ان ينتبه احد. سيخالون أن صاحبك الشاب هو أنت، ذلك أن لا أحد يعرفك برسمك وشكلك سواي”

قفز الشيخ راكان على قدميه وهو لايصدق مايسمع. أمسك بالصحيفة محاولاً قراءتها رغم جهله اللغة التركية. طلب من حمزة أن يعيد شرح ماقال. وضح الأخير أن بإمكانه أن يهربه من السجن هذة الليلة قبل ان ينتبه احدهم الى هذا الخطأ. قال للشيخ أنه سيأتيه بهندام وملابس تركية ليلبسها ويخرج وإياه في نهاية نوبته الليلة، حيث سيعبر به مضيق البسفور ويهبه فرساً توصله الى حيث يشاء، كل ذلك على أن يبقى عواد في السجن.

عندما خرج حمزة توضأ الشيخ راكان وصلى ركعتي شكرٍ الى الله بسبب هذا الفرج غير المنتظر. عندما فرغ التفت فلمح رفيقه عواداً وهو يشخص ببصره نحو النافذة الحديدية بالأعلى . تنحنح الشيخ راكان وسأل صاحبه:

“لو تم إطلاقك يا عواد، أي الأماكن ستقصد أولاً”

“قصر ابن عالج”

“قصر ابن عالج! هو خلاء لماذا قصر ابن عالج؟”

“ابنة عمي تنتظرني. أخبرتها أن لاتغادر المكان حتى أرجع”

وقعت هذه الإجابة كالصاعقة على الشيخ راكان: أيعقل أن هذا الرجل لم ينتبه الى أن نصف عام قد تصرم منذ وقوعة في الأسر؟ أهو مخبول؟ أم أنه متوهم المستحيل من زوجته؟.

ترنح الشيخ راكان في مكانه، وعندما ذهبت الصدمة هبط عليه الفهم فجأة: “…. لأن هذا الشاب لم يتوقف يوماً واحداً عن طلب الهرب.. لأنه منذ إلقاء القبض عليه وهو يحاول أن يفك الوثاق وأن يقفز وسط البحر وأن يكمن للحارس وأن يغافله.. لأنه كان مشغولاً منذ اللحظة الأولى بفكرة الفرار وكيفيته ولزوم وصوله الى ابنة عمه.. من أجل كل هذا .. بل لم يشعر بانقضاء كل ذلك الزمن  .. لقد توقف الزمن بالنسبة إليه وتحول اليوم لديه الى لحظة واحدة طويلة ممتدة لم تكن تملأها سوى فكرة الهروب”.

استدار الشيخ راكان الى الجهة الأخرى ومسح دمعة يتيمة ترقرقت في محجره. تذكر ابنة عمه الشقحا وتذكر زوجته الثانية، وتذكر عياله وأصحابه ورجال قبيلته. تذكر المراعي والخيام، تذكر الشاه والإبل، شاةً شاة، وناقةً ناقة.

عندما انقضت النوبة الليلية دخل حمزة الزنزانة وهو يحمل الزي التركي. أمسك الشيخ راكان بالثياب ودفعها باتجاه عواد قائلاً:

“ألبس” لم يتحدث هذه المرة بلهجة رفيق الحبس وإنما بلهجة رئيس القبيلة.

“ولكن يا شيخ!”

“البس. ابنة عمك تنتظرك”

انصاع عواد للهجة الشيخ الآمرة وأخذ يلبس الثياب ببطء”لا أستطيع يا شيخ أن أرحل ثم تلتصق بك تهمة قتل الجندي التركي. قد يعدمونك لأجل ذلك!”

“هل جننت؟ أنا الشيخ ابن حثلين! يحسبون لي ألف حساب. لو مسوا شعرةً واحدة من رأسي لوجدت قبائل يام تملأ الأرض من نجد الى الباب العالي”

عندما أنهى عواد شد سراويله دفعه الشيخ راكان عبر باب الحبس ودفع بحمزة المسكين الذي لم يكن مرحباً ولا مستعداً لمثل هذا التغير المفاجأ في الخطة. تبع عواد حمزة بخطى سريعة وجلة وهو يحني رأسة ويتدارى عن الضوء كي لا يسقط فوق وجهه فيفضحه. عندما خرجا من القلعة اتجه حمزة بعواد الى الشرق وعبر به مضيق البسفور وهناك منحه نقوداً وجواداً ودعا له بالتوفيق.

من تركيا انحدر عواد الى سوريا ومن سوريا الى العراق ثم الى الصمان ومن الصمان الى قصر ابن عالج.  انطلق عواد بجواده ينهب الطريق باتجاه سنجق الأحساء. لم يتوقف ليلاً ولا نهاراً، كان يأكل ويصلي فوق جواده وهو يعدو به الى وجهته. وكان عندما يبلغ الحصان جهده الأخير يتوقف وسرعان مايمتطي الجواد مرة أخرى اذا لمح منه بوادر راحة. حتى نفقت تحته خمس جياد ولكنه لم يكن يأبه ، بمجرد أن يسقط الجواد صريعاً يقفز عواد من الحصان الى الأرض ويأخذ يعدو بقدميه إلى أن يسرق جواداً جديداً

كانت الفكرة الوحيدة التي تشغل بال عواد وتملأ كيانه: أنه سوف يرى ابنة عمه، سوف يرى زينب، سيذهب إليها أخيراً ولن يتركها بعد ذلك.

بعد انقضاء مايقارب الشهر وصل عواد الى قصر ابن عالج، وسقط اخر جواد تحته وقفز عواد يلوي متوجهاً جرياً صوب الغدير نحو المكان الذي ترك فيه ابنة عمه. عندما وصل وجد أمامه شجرة سدرٍ لم تكن موجودة عندما ترك ابنة عمه قبل سبعة أشهر. كانت شجرة السدر تملك نفس قامة ابنة عمه ونفس ملامحها، تماماً!

تقدم عواد مترنحاً نحو شجرة السدر حتى التصق بها ومسح براحتيه الخشنتين لحاءها وعفر بالدموع تربتها، ثم سقط على ركبتيه وضمها بذراعيه وأخذ يتمتم بصوت مفجوع:

“تأخرت! تأخرت! تأخرت! تأخرت!”

يا إله السماوات! ألا توجد رحمه فوق هذه الأرض؟ ألا يوجد شخص، حيوان، كائن، غصن… يستطيع أن يهتف في تلك اللحظة أنت لم تتأخر! إذ أنك لم تتوقف لحظة واحدة عن العمل في سبيل الرجوع!

كان قدراً على زينب أن تنتظر ابن عمها كالأشجار وأطول.

عندما عدى عواد بفرسه لمنزل المري ترجلت زينب عن راحلتها وأناخت الناقه قرب الغدير وتوضأت من مائه ثم صلت الظهر والعصر جمعاً. وعندما فرغت من صلاتها تناولت بعض حبات الرطب وأتبعتهن بنغباتٍ من ماء القِربة. عبأت القربة حتى عنقها من الغدير ثم عمدت الى نوى التمر فأخذت تلعب بهن وتصفهن أفقياً وعمودياً حتى انقضت في ذلك النهار ساعة بإنتظار عودة عواد. نهضت من موضعها وأخذت تتطلع باتجاه الأفق لا روح ولا أثر على مد البصر! رجعت إلى راحلتها وأخذت تمسح فوق رقبتها الطويلة وتلاعبها وعندما أحست بالتعب تربعت وأسندت ظهرها فوق الناقة وأخذت تتغنى ببعض الأبيات التي تحفظها عن جدتها عن شعراء وفرسان يام.

عندما غربت شمس ذلك النهار وأطبق ليله دون أن يعود عواد فكرت زينب ماذا تصنع وسط هذه البرية وحدها؟ لو أنها رجعت الى بلدة العيون لكان أكثر امناً لها. لكن تذكرت أن عواد طلب منها أن لا تبرح مكانها وأن تنتظره مهما يحدث فلابد أنه سيرجع بعد قليل. فقامت توضأت زينب مرة ثانية وصلت المغرب والعشاء وبعد أن فرغت أخذت تصلي وتبتهل. ازدادت ظلمة البرية وعتمتها بينما انحنت الناقة برقبتها وأغمضت عينيها فستلقت زينب بجانب ناقتها وتذرت بعباءتها وحاولت أن تنام فلم يسبق لها أن نامت في العراء من قبل. أخذت تصغي باتبهاه الى كل نبهةٍ وحركة وهي تشد بيدها على خنجر. وبعد انقضاء الشطر الأكبر من الليل غمر التعب زينب وغلبها فأسلمت الى النوم.

عندما أفاقت كانت الشمس تنشر اشعتها الأولى إبان الفجر. عمدت زينب الى الغدير فاغتسلت وادت فرضها ثم امسكت الناقة واخذت ترعى بها في مواضع الكلأ دون أن تبتعد كثيراً عن المكان الذي طلب منها ابن عمها أن تنتظره فيه. عندما انقضى نصف النهار أحست بالجوع فأخرجت الزاد وأصابت بعضاً من طعام. توقفت طويلاً وهي تنظر الى الأفق منتظره رجوع زوجها وعندما أطبق الليل عمدت الى ناقتها ونامت تحت ذراها.

مر أسبوع حتى نفذ الزاد وعمدت زينب الى بقل وأعشاب الصحراء فأخذت تمضغها كي تسكت حر معدتها. وعندما نفذ العشب أمسكت خطام ناقتها وأخذت تلاعبها ثم سحبت الخنجر من تحت كمها وقامت بنحرها. سلخت جلدها وأوقدت النار ثم أصابت بعضاً من لحمها وهي تتمنى من كل جواحها أن يعود عواد قبل أن يفسد لحم الناقة.

عندما طال الانتظار بزينب أخذت الهواجس تطاردها وتقذف بها كل مطرح، ماذا لو أن عواداً تركها بلا رجعة؟ ماذا لو أنه مسحور؟ أو أن امرأة أخرى فتنته؟ لكنها تعوذت من الشيطان وبصقت عن شمالها. وحدثت نفسها أن عواد سيرجع فلقد قال ذلك لها وهي لم تعتد منه الكذب. كل ما عليها هو أن تنتظره في هذا المكان الذي أوصاها بعدم مزايلته. وظلت زينب مكانها لا تبرح تنتظر كما تنتظر الأعشاب والأشجار قدوم المطر.

كان مقدراً لها أن تنتظر وكان مقدراً على عواد أن يرجع بعد شهور فلا يجد ابنة عمه حية.

ولكن من قال أن الحياة تنتهي بانعدام الجسد الإنساني؟ من قال أن الأشجار لا تصغي ولا تفهم؟ لقد عاشت السدرة وبقيت بجانب الغدير أسفل قصر ابن عالج. عاشت وبقيت قامتها منصوبة رشيقة رغم أن أغصانها جرداء يابسة. عاشت السدرة لترى ابن عم زينب يموت ويدفن أسفلها في الجهة الغربية منها. ومنذ ذلك الحين وشجرة السدر تنثني بجذعها المنهوك للغرب

 

من كتاب:أمثولة الوردة والنطاسي

 

المعلق:

مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.