الثنائيات الفكرية ورسائل غسان كنفاني لغادة السمان

الصورة الناقصة

الثنائيات الفكرية

يجلب الحديث عن الثنائيات الفكرية رصيداً هائلاً من الذكريات والحكايات المحملة بفنون متنوعة وأدبيات وسير نمت وترعرعت في أحضانها. ومن جماليات الثنائيات أنها تعزف على أنغام الفكر وتحيل جملة من العلاقات لفعل تنويري محاط بالعاطفة والتجديد, ولم تكن السباحة فيه سباحة يسيرة بل إن السباحة في الثنائيات الفكرية هو مزيجٌ ملفتٌ من التقارب ولفت الانتباه.

وحينما نتحدث عن الحنين لثنائيات الفكر ومشاغبات الزمن الجميل فإن الثنائيات الأشهى من بينها هي تلك التي رسمت روحها على كف المراسلات وكنز المشاعر والحس الإنساني والعاطفي, والذي يقدم الكتابة بوصفها قلباً نابضاً يحمل كل ملامح الألق وربما القلق ويأتي ليسكب الأغنيات والأناشيد ويشكل الكلمات بغية أن تخرج بوصفها منتجاً يمرر للأجيال ويتناقله العشاق والمحبون وهواة الصداقات العظيمة والحب الاستثنائي.

والواقع الأدبي والثقافي حالياً واقع جد زاخر بالثنائيات الفكرية والأدبية والثقافية سواء كانت مكاتبات أو إخوانيات، أو رسائل -ورقية كانت أو إلكترونية- لم تكتشف بعد، -شعراً أو نثراً- وهي بذلك تمثل كنوزاً أدبية ذات قيمة عالية، يصعب في كثير من الأحيان على الأدباء نشرها خشية إثارة الزوابع الجدلية أو الآراء النقدية، فتبقى حبيسة في أدراجهم ودفاتر مذكراتهم، أو أسيرة لذاكرة بريدهم الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يصل الأمر بالبعض لوضعها في خزانات خاصة شديدة التأمين، كما فعلت الكاتبة السورية غادة السمان عندما أودعت كثيراً من أعمالها الأدبية ومراسلاتها في المصرف السويسري في سابقة نادرة قل ما تحصل في عالمنا العربي.

ومما يجدر ذكره والتأكيد عليه هو الحق المشروع والأصيل لعشاق الأدب ودارسيه، ولطلاب المعرفة والباحثين عنها في الاطلاع على هذه المراسلات والمكاتبات للكتّاب والمشاهير، فهي تؤرخ لحقبة تاريخية وأدبية وسياسية أيضاً، ومن المهم جداً الإحاطة بظروف كتابتها، والتنبيه على ورثة الأدباء وجميع من له صلة بهم بضرورة جمع وكشف مراسلاتهم ومكاتباتهم حال وفاتهم (الأدباء) إن كانت متاحة لديهم ما لم يكن فيها خرق صارخ للقانون أو الأعراف الاجتماعية، فهي قد تعدت حقيقة كونها ملكاً خاصاً وحصرياً، ودخلت في برزخ الملكية العامة نظراً لشهرة أصحابها وتأثيرهم المجتمعي.

ومن الجيد جداً في هذا المقام أن نركز الحديث على الرسائل المثيرة للجدل للكاتبة السورية غادة السمان، التي كانت بينها وبين الأديبين الفلسطيني غسان كنفاني واللبناني أنسي لويس الحاج، وقد أصبحت رسائلها لكنفاني مرجعاً مشهوراً للاقتباسات الغرامية التي تعبر عن العشق والوله بين المحبوب ومحبوبته، وكثيراً ما يستشهد بها رواد الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي للإشادة بتلك المشاعر الإنسانية العميقة، ولكن رسائل أنسي الحاج لها لم تحظَ بنفس التقدير والإشادة، وقد يكون السبب هو تلك الفورة الغضبية الأولى والتي نتجت عن نشر الكتاب بعد وفاة صاحب الرسائل، وربما أيضاً لأن قصة عشق أنسي الحاج لها كانت قصة سرية لم يكن لأحد علم بها قبل نشر الكتاب في حين كانت قصة حب غسان كنفاني علنية ولم تكن سراً بالمعنى المفهوم.

وقد أثار نشر غادة السمان لهذه المراسلات موجة عارمة من الجدل والانتقادات ما بين مؤيد ومعارض ومتهم، ففي الحالتين لم تأخذ غادة السمان الحيطة القانونية والإذن المتعارف عليه في مثل هذه الحالات، فهي رسائل غرامية ملتهبة نشرت في كتابين منفصلين، صدر كتاب رسائل كنفاني بعد مرور عقدين من الزمان على وفاته، بينما صدر كتاب أنسي الحاج بعد مرور عامين فقط على وفاته!

ويأخذ البعض الأمر من وجهة نظر منتقدة للكاتبة غادة السمان فهم يرون أنها قد قررت فضح مشاعر غاية في الخصوصية والحميمية لرجلين لهما مكانتهما الأدبية في المجتمع العربي دون أن تقحم نفسها في المعادلة، فهي لم تقم بنشر ردودها على رسائل كنفاني كما ينبغي بها أن تفعل، وقد عللت الأمر بأنها قد بحثت كثيراً عن رسائلها وردودها عليه إلا أنها لم تجدها، فقد احترقت ضمن ما احترق من مقتنياتها وقصاصاتها بفعل الحرب والدمار في بيروت أيام حربها الأهلية، وذكرت أنها تألمت كثيراً لضياعها بهذه الصورة.

وإن كانت غادة قد وجدت مبرراً للدفاع عن نفسها عند نشرها لكتاب رسائل كنفاني لها، فإنها اكتفت بالإقرار بعدم ردها على رسائل أنسي الحاج كما فعلت مع كنفاني، معللة ذلك بقولها: (لم أكتب لأنسي أي رسالة، فقد كنا نلتقي كل يوم تقريباً في مقهى الهورس شو -الحمرا أو مقهى الدولتشي فيتا والديبلومات- الروشة أو مقهى الأنكل سام، وهذه المقاهي انقرضت اليوم).

نشرت غادة السمان رسائل غسان كنفاني لها في كتاب بعنوان (رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان) صدر عن دار الطليعة في بيروت عام 1992.تضمَّن الكتاب اثنتي عشرة رسالة فقط، كتبها غسان في الفترة الزمنية ما بين أواخر العام 1966 وحتى شهر آب/أغسطس من العام 1968، وبقراءة الرسائل الاثنتي عشرة من غسان إلى غادة تستوقفنا الملاحظات التالية:

فترة المراسلات هي فترة زمنية قصيرة، حيث كانت هناك مواظبة على كتابة الرسائل منذ شهر 11/1966 وحتى شهر 4/1967، أي خمسة شهور، وكان تاريخ الرسالتين الأخيرتين هو رسالة 11/4/1967 ثم الرسالة الأخيرة في25/ 8/ 1968، وبينهما بطاقتان بريديّتان بسطور قليلة، والقصد هنا أنَّ ثمّة انقطاع في الرسائل حتى تاريخ استشهاد غسان في 8/7/1972.

والرسائل تدخل في باب الرسائل الشخصية أكثر من كونها وثائق أدبية، على الرغم من اللغة الأدبية الشفافة والتعبيرات الوجدانية الصادقة والعميقة، وعلى الرغم من المبررات التي تضعها غادة لنشر رسائل غسان لها من مثل أنَّ هذه (وثائق أدبيّة)، وأنها امتداد لأعمال كنفاني الأدبيّة، وأنها تكشف للقارئ عن الشخصيّة الداخلية للمناضل إذ تقول: (الأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين رقة وحزناً).

كل هذا لا يشفع للقول إنَّ هذه الكتابات يمكن أن تكون (وثائق أدبية عامة)، فهي تكشف عن أكثر مناطق الخصوصية الإنسانية، وبنشرها أعطت غادة السمان لنفسها الحق في انتهاك خصوصية إنسان آخر، عندما كان هذا العاشق يكشف لها عن أكثر لحظات العجز والألم والحاجة والاستجداء.

تصرُّ غادة السمان على أنها تنشر الرسائل بوصفها أعمالاً أدبية لا رسائل شخصية، وتعتبرها جزءاً من نتاج غسان كنفاني الأدبي المتنوع، وتصنِّفها -من الناحية الأدبية- ضمن مسمى (نصوص وجدانيّة شعرية)، وأعتقد أنَّما يندرج تحت مسمى وثيقة أدبية ليست هذه الرسائل الشخصية الاثنتي عشرة، ولكنها رسائل أخرى، كما سنرى تالياً.

في الثنائيات تقتضي مسألة الرسائل وجود طرفين، لتزخر مكاتباتهما بحوارات وآراء تتراوح بين تناول أعقد القضايا الفكريّة وأبسط الأمور الحياتيّة، لكنَّ الحديث عن غادة السمان/ غسان كنفاني كثنائي لن يتَّخذ صفة (الثنائي) بامتياز لكوْن هذه الرسائل من طرف واحد، الأمر الذي سيجعل الصورة ناقصة دائماً، فهي لن تكتمل لدى القارئ دون وجود رسائل الطرف الآخر (رسائل غادة السمان إلى غسان كنفاني)، ولن يجد نكهة لحوار يغنيه طرفان، و(ستظلّ حاملة أحد وجوه الحقيقة فقط بدلاً من وجهيها)

في تقديم غادة السمان لكتاب الرسائل وجَّهت نداءً إلى مَن بحوزته (أو بحوزتها) رسائلها إلى غسان كنفاني، ورجتهم أن يجعلوا نشر رسائلهما معاً (غادة/ غسان) أمراً ممكناً. وأشارت إلى أنها نشرت هذا النداء للمرة الأولى بتاريخ 21/4/1989 في مجلة الحوادث الصادرة في لندن، وتكرر نشره مرات على لسان أدباء ونقاد آخرين قبل إصدارها للطبعة الأولى من الرسائل، ولم يستجب أحد للنداء حتى لحظة صدور الطبعة الخامسة (2005).

لقد أصدرت غادة السمان رسائل غسان لها في كتاب يقع في 176 صفحة متَّكئة على 12 رسالة شخصية من غسان كنفاني احتلت نصف الكتاب، فيما شغل نصفه الثاني ملحق بآراء نقديّة لمئتي كاتبة وكاتب. وبالقراءة المتمعنة في رسائل غسان الاثنتي عشرة إلى غادة السمان نجد أن غسان في 6 رسائل يستجدي غادة أن تكتب له، يقول غسان:

– (حاولي أن تكتبي لي) (29/11/1966).

– (طوال الأيام الـ(17) الماضية كنت أنقِّب في كوم البريد مرة في الصباح ومرة في المساء، اليوم فقط نفضتُ يدي من الأمر كله.. متى سترجعين؟ متى ستكتبين لي حقاً؟) (20/1/1967).

– (اكتبي لي. لماذا لا تكتبين؟ لماذا؟) (31/1/1967).

– (أدهشني حين وصلتُ إلى القاهرة أنني لم أجد رجلاً ينتظرني هناك ويقول هذه رسالة لكَ يا سيدي من لندن)، (ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلّا لي؟) (1/2/1967).

– (اكتبي لي في هذه اللحظة وقولي: سأظل معكَ وسنظل معاً) (4/2/1967).

– (لا تتحدَّثي معي بالهاتف.. اكتبي لي كثيراً. أنا أحبُّ رسائلكِ إليّ حدّ التقديس، وسأحتفظ بها جميعاً، وذات يوم سأعطيها لكِ)، وفي نهاية الرسالة: (أرجوكِ اكتبي لي) (11/4/1967).

تقول غادة السمان انها لم تتمكَّن من الحصول على رسائلها إلى غسان كنفاني، رغم النداء الذي سبق أن أشرنا إليه، لكن ومع كل نداءات غسان لها بأن تكتب له نتساءل:

ترى هل فعلاً بلغ عدد رسائل غادة إلى غسان ما يؤهِّلنا للحديث عن (ثنائي) له مراسلات تدخل ضمن تصنيف مراسلات (الثنائيات)؟

يرى البعض أنّ غادة السمان تقدم على إظهار رسائلها الدفينة بين الفينة والأخرى حتى تستعيد توازنها النفسي في محاولة لاستعادة أنوثتها وشبابها بعد وصولها لسن اليأس، ولتثير جدلاً واسعاً حولها خصوصاً أنها اختصرت في هذا الكتاب مشاعر غسان نحوها لأعوام وأعوام ورسائله وحبه لها، ونجدها كتبت في مقدمتها قائلة:

(سأنشر رسائل زمن الحماقات الجميل، دون تعديل أو تحوير).

وبالتالي فقد يعزز أسلوب غادة السمان ومنهجها المبتكر نسبياً في أدب المراسلات والمكاتبات غريزة الكتابة على هذا المنوال عند الكثيرين، برغم ما فيه من جرأة وجسارة نادرة، يصعب على الكثير من أهل الأدب والفكر والثقافة إبرازها والتحلي بها لأسباب عديدة، ذكرنا منها ما ذكرنا، ويُحسب لغادة السمان جرأتها في كسر الحاجز الشرقي الذي يحظر على الأنثى الحديث عن العلاقات العاطفية بنشرها هذه الرسائل التي تسميها (رسائل زمن الحماقات الجميلة)، لكن ماذا كان سيسميها غسان كنفاني لو أسعفه عمره ليشهد عليها بعد عقود من كتابتها؟

إختصار لمقالات الكتّاب:

⁃ مجدولين او الرب (الأردن) في مقالة: الصورة الناقصة – المجلة العربية

⁃ علي القاسمي (أبها) في مقالة: مفارقات واستثناءات – المجلة العربية

⁃ د. مجدي الحاج (الإمارات) في مقالة: واقع أدبي زاخر بالثنائيات – المجلة العربية

المعلق:

مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد

4 آراء على “الثنائيات الفكرية ورسائل غسان كنفاني لغادة السمان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.