معنى أن نتجاوز بذواتنا

ماذا تعني مصطلحات كـ (تحقيق الذات) و(التسامي بالذات) و (تجاوز الذات)؟

قرأت كتاب يتحدث عن هذا الموضوع وهو (( الانسان يبحث عن معنى )) ويمكنني أن أرى انه حتى يفهم القارئ جزء تجاوز الذات الذي يتحدث عنه الكتاب  لابد أن يمر من خلال معاناة شديدة و الآلام فضيعة بالمعنى المجرب للتجاوز بالذات

هناك معرفة عظيمة تكمن وراء الآلام الكبيرة، وراء تلك الاحجام الكبيرة من المعاناة التي تجعل الشخص يصطدم بين ذاته و واقع مايمر به من أهوال.

الكاتب يقول ان في كل بيئة مهما تعاظم فيها الشر يملك الفرد قدرة على المحافظة على نقاءه بأن لا ينجر الى هذا الشر لكن هذا يتطلب جهدا عظيماً .. يتطلب صراع مرير مع الذات .. قدرة جبارة على ان ياخذ بنفسه ويتجاوز بها البيئة الفاسدة ، وهذا هو معنى ان تتجاوز بذاتك.

كثير من الناس وصل الى مرحلة تحقيق الذات، وكثير لم يصل ايضا .. لكن الفكرة تتمحور حول ماهو معنى تحقيق الذات عند كل شخص؟ البعض ببساطة يعبر عنها بتعليم، وظيفة، زواج، بيت، أبناء وبعدها ينقل هذا المعنى للابناء من جديد .. والبعض يعبر عنها بمطامح اكبر تحقيق ثروة، شهرة، سمعة حسنة، مكانة عالية. جميعنا نضع مانظنه قيمتنا في المعنى الخاص بنا لتحقيق ذواتنا. فإذا كان هناك شخص قيمته أعلى فالسبب بعيدا عن الظروف التي قد تساعد البعض، هو أمر يعود الى نظرتنا الى انفسنا والى محيطنا ايضا

لكن لحظة! هناك سيناريو محتمل بعد الوصول لتحقيق الذات وهو (الانهيار). مؤلف الكتاب كان كاتب وأستاذ لعلم الاعصاب وعلم الطب النفسي، متزوج وأب، وصل لكل ما ظن انها نقاط تحقيق الذات .. ثم ماذا؟ تم اعتقاله، عاري وجائع ومجرد من كل شيء في معتقل الحرب، الأمر تعداه وتعدى وظيفته الى قتل جميع اهله، أمه وأباه وأخوته وزوجته وأبنائه الجميع مصيرهم في أفران الإعدام بالغاز. بمعنى أن العائلة ذهبت. كما ان الكثير من المعتقلين خسروا عائلاتهم ومعارفهم بالاعدام ايضا  وجميع ما حققوه في حياتهم أختفى وأنهار  .. فكانت النتيجة انهم انتحروا في المعتقلات او بعضهم خارجها .. خرج من المعتقل فلم يجد شيئا يعيش لاجله فنتحر. ومن هنا اطلق هذا الكاتب مسمى ((التجاوز بالذات والتسامي بها))

هنا نقول أن علينا أن نتجاوز ونتسامى على أوجاعنا، نرتفع بآلامنا ونتسامى بها ، والأمر يتطلب إيمان نغرسه بذواتنا

ومن يصنع من المعاناة والصعوبات والتحديات الصغيرة أو الكبيرة التي تواجهه تجاوز بالذات يعلو بها يبقى قوي وقادر على الاستمرار في تحقيق ذاته وإن إنهار جزء او كل ما حققه بسبب كوارث خارجة عن ادارة الشخص. الانهيار لا يكون في مسمى العمل فقط، لأن الإنهيار يحتمل كل ما يحيط بالمرء من عائلة و أصدقاء ووطن وعلاقات اجتماعية، جميعها عرضة للإنهيار وتكمن القوة في التجاوز.

ما يشكل القوة في ذواتنا هي تلك الانهيارات التي نتعرض لها داخليا ((أو الانهيارات النفسية)) هي مؤشر الصعود والهبوط للقوة الداخلية لنا فإما أن نكون أصغر منها فتبتلعنا أو نكون أقوى منها فنتجاوزها واذا تجاوزناها اصبح الشخص اصلب و اقوى من السابق ..

التجاوز لا يحدث بالوعي فيما اظن, اي ان الشخص لا يملك القدرة على التطبيق بالوعي فقط، انما التجاوز يكون في بناْء معتقد قوي جدا يملأ ذاته يتصدى هذا المعتقد للإنهيارات التي قد تزلزل كيان أي شخص عادي، التجاوز يكمن في الفكرة  التي ننظر بها لتحدياتنا والمعتقد الذي نؤمن به بقلوبنا. لأن ما يحرك الشخص في الأزمات صعودا وهبوطا هو أفكارة وظنونه التي تشكلت او تتشكل لديه في وعيه هي تلك القيمة التي يضعها لما يتعرض له و تعريفه لها، قيمة كبيرة ومطلقة أو قيمة يمكن تجاوزها. ولكن مع القيمة يحتاج المرء معتقد .. فإذا جاءت الأزمة وكان لدينا تلك القيمة على قدرتنا على التجاوز ولكن طالت الأزمة أو تعقدت! وأختل المعتقد الذي آمنا به وتزلزل الذات .. إذن ماذا؟ هنا مقياسنا يكون على ذلك المعتقد نفسه الذي صدقناه ولكنه مازال يتأرجح بنا في أزمات من العيار الثقيل.

اذا كان ذا قيمة و إيمان راسخ سيتجاوز ويعلو بنفسه وستكون اقسى الضربات هي اكبر القفزات والتحولات

صاحب الإيمان مايثبته هو معتقداته الراسخه في اعماقه عن حقيقة الأزمات التي تناله سواء كانت لا اراديه او بإرادة أشخاص أو أعداء. المؤمن لا يصمد من خواء نفسي أو من فكرة سامية أو معنى جميل فقط أعجبه وظن أن من واجبه أن يعمل بها ! .. لا يأتي الإيمان الراسخ من هذة الأفكار الجميلة التي تمر علينا في الكتب أو المواعظ بل من ترابط عميق يشدنا كانت نتيجة أفكار آمنا بها إيمان راسخ جدا واحتمال زعزعتنا وقلقلتنا عائدة الى المعتقد الذي آمنا به ومدى قوته وثباته. آمن كثيرون بالعائلة ولكنها زالت وانهارت. آمن البعض بعلمه ولكنه أخطأ به أو أثبت غيره خطأ أفكاره وألغاها. آمن البعض بنفسه فقط ووجدها عاجزة في مراحل كثيرة عن النهوض به.

اما من يحتال او يتلاعب ولا يواجه المعاناة التي تحيط به سيجد نفسة في أما (مصحات نفسية) او منتحر وقراره بانهاء حياته يعتمد على مايحمله من بنيان قوي او فقط خواء داخلي. أظن أن الأمر نسبي كثيرا تجاه الداخل والخارج فلا يشد الداخل الا معتقد ولا يجعل الخارج منتصبا الا وتد قوي يشده هذا الاعتقاد، لأننا كائنات عاقلة في النهاية، لا نركن الا بفكرة تعبر عن قيمة ما نمر به.

احيانا لا تكون الإنهيارات بهذا القدر من الأهميه ويتجاوزها البعض ببساطة أو يتعايش معها وهو محافظ عاى صحة نفسية ممتازة وايضا قدر من السعادة والتوازن في حياته مع وجودها.

الفكرة في التجاوز أو التسامي، احيانا اسأل نفسي .. قدر لأشخاص عاديين تجربة حياة مريرة جدا مثل خسارة كل الابناء في حادث واحد ومع ذلك يواصل ويتجاوز بذاته هذة الصعوبات ويتعلم من هذة المعاناة معاني نفسية وروحية عميقة جدا. فاسأل نفسي سؤال آخر هل الشخص (المرفه) جدا في حياته قادر على فعل ذات الشيء من التجاوز بالذات (كالشخص العادي) وقلت مرفه واقصد به اي شخص بعيد جدا عن خوض تجربة معاناة  حقيقية أو عراقيل كبيرة في حياته؟ 

خلاصة القول القيمة في الالم والمعاناة تأتي على نسبها وأحجامها وهي كرفع الأثقال حتى ترفع ثقل تحتاج لبناء عضلة .. وبناء العضلة لا يأتي دون معاناة بمفهومها الجسدي. وحتى تكون معاناتك قدم للأمام يجب أن تتجاوز بذاتك وتبحث عن المعنى الحقيقي خلف قيمة هذة الآلام والمعاناة .. وهذا هو بعينه مايفكر به صاحب العضلات المفتولة قبل أداءة تمارينه .. القيمة.

هذا حديث الكتاب وحديث أفكاري عنه ((الإنسان يبحث عن معنى))

المعلق:

مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.