روح الشعوب

ان شخصية ((القرن العشرين)) تبدو وكانها تشكل تناقضا مع شخصية القرن الذي سبقه. القرن التاسع عشر الذي كان يتمتع به البيض، ولما نمت بلدان من خارج اوروبا صارت هذة البلدان تنافس الاوروبيين في المستقبل واصبحت السيادة والزعامة على العالم للدول التي تتميز بالمساحات الشاسعة والكثافة السكانية كالولايات المتحدة وروسيا وهما قارتان حقيقيتان تتبادلان دور القيادة بدلا من الطرف الاوروبي الذي كان يوجه العالم منذ اربعة قرون.

فما يشكل اوروبا وما يميزها؟

ساعد عدد من الاعراق على تكوين النوع البشري الخاص بالبحر المتوسط، واقدم هذه الاعراق هو العرق الأيبيري الذي يمثله سكان اسبانيا والبرتغال وفرنسيي الجنوب. ان العرب نشروا حضارة تحمل سماتهم الخاصة بهم على طول الجنوب الغربي وجنوب البحر المتوسط. والاتراك الذين كانت حصيلتهم انهم طوروا النواحي السياسية والعسكرية.

كانت هذه مقدمة من كتاب روح الشعوب لاندرية سيغفريد، وهذا الكاتب الفرنسي المهتم بدراسة علم الاقتصاد والاجتماع معاً قاده شغفه الى الولع بمعرفة مختلف الاعراق والشعوب. فأسرد في كتابة الخصال والمزاج النفسي الذي يشكل الشعوب الغربية، وهل تغيرت طبائع هذة الشعوب اثر الحربين العالميتين. الكاتب يبين في كتابه عن مدى تأثير الهجرات من الاعراق المختلفة والحروب على اسلوب ومزاج السكان الاصليين * 

في فصل الواقعية اللاتينية:

1/- تكونت الروح اللاتينية في المتوسط وحمل هذا التكوين الناس على الفردية وتحددت روحهم الاجتماعية فيه بالقبيلة او العشيرة. ان حضارة البحر الأبيض المتوسط هي حضارة متوغلة في القدم، فمنذ العصر الحجري كانت هناك شعوب سكنت المنطقة واكتملت لها دواعي التقدم مقارنة بمنطقة أوروبا الشمالية التي كان من اسباب تأخر سكانها بقاء الثلوج فيها مدة طويلة. فعلى ضفاف شواطئ فرنسا الجنوبية كما بقية الشواطئ المتوسطية، نجد آثار حضارة عمرها قرون أكثر مما على شواطئ اوروبا الشمالية. ونستنتج من ذلك أ ن اللاتينين يملكون طبيعياً الشعور بالزمن الذي انقضى وهم على اتصال دائم مع أقدم عصور التاريخ.

 

2/- اللاتينيون ليسوا شعوبا شابة حديثة بل تامة النضج وبالطبع هرمة في بعض ملامحها. وسيكولوجية الشعوب اللاتينية هي سيكولوجية البالغ سن الرشد، فهم مشككون ولا يأخذون الكلام على دلالاته وعلاته، وليسوا شعبا ساذجا على العموم وهذة التشكيلة تحميهم من الانخداع بالنفاق الاخلاقي. وترتسم حول مجتمعاتهم الخالصة روابط من التعاطف والتراخي. اللاتيني يبدو عليه بسهولة أنه متنقل غير أن دعائمه ترتكز على الحكمة والحذر في الحياة الخاصة، وهما خصلتان لا يتوفران دائما لدى أهل الشمال الاوروبي. كما أن اللاتيني لا يبالي كثيرا بالأخلاق، ولدية نوع من الصراحة الفكرية التي تطبعه أكثر من أولئك المخادعين من أهل الشمال الاوروبي الذين ليس عندهم الشجاعة للنظر الى أعماق نفوسهم.

 

3/- إن الكلمة عند أهل الجنوب الأوروبي لها سحراً وبريقاً. فأشعارهم تختلف عن أشعار أهل الشمال، ذلك أن شعرهم متحفظ فيه من الاستعارات والالتفافات الواضحة الشبيهة بالمنمنمات، وهو شعر كلاسيكي يختلف عن الشعر الرومنطيقي لأهل الشمال. ويتميز اللاتيني بقدرة مذهلة على التحليل وعلى التعميم في الوقت نفسه. وهو يتميز بمناقشة المبادئ أكثر من مناقشة الحقائق. 

 

4/- اللاتيني يحب السلطة بالمطلق. وتعتبر سلطة الدولة عنده خارج الفرد وأعلى منه أو كأنها سلطة مفارقة إذ يمكن الإستيلاء عليها كما نستولي على السلاح وأن نستخدمها أداة للتسلط والسيطرة. فواجب الفرد أن يحمي نفسه من هذة السلطة لأن الدولة لا تبدو في نظره رحيمة بالضرورة، فالتجربة الطويلة التي مر بها الانسان في حياته جعلته يرتاب كثيرا تجاه الدولة حتى انه لا يدهش ولا يسخط إذا ما أسيء استخدام السلطة وإذا ما استعملها الحاكم لنفسه ولأصدقائه. فالسلطة التي يتصورها الفرد اللاتيني على انها سلطة جليلة الشأن مازالت بعيدة جدا، ويجب والحالة هذة أن نكون على علاقة طيبة مع أولئك الذين يستولون عليها ويعرفون كيفية استخدامها، وبهذة الظروف تصبح البراعة السياسية بمعنى المكيافيلية مشاعة بين الناس.

 

5/- اللاتيني حين يحب عمله يكون قادراً على التفاني فيه كما الفنان والاخلاص الدائب له بحماسة عاطفية خلاقة، فهو ملح في أن يظهر للملأ وأن يثبت للناس بأنه هنا، لا بل كما نقول بالعامية “أينما ترميه تجده واقفاً”. اللاتيني تاجر وهو متفوق بشكل ملحوظ على قرينه الانكلوسكسوني. يتصف في التجارة والعمل بالفطنة والمهارة والتبصر، وبالحذر والتوفير مايجعله يضرب بسهم وافر في المشروعات الصغيرة مع احتفاظه بالقدرة على إنجاح المشروعات الكبرى. وستجده أمامك في كل مكان يحتاج فيه الى المرونة والدبلوماسية لا بل والدسيسة حتى. ولدية القدرة على سوق البرهان على مايحكم عليه من قضايا لانه يتمتع بقوة الحجة وصدق الإقناع. لكنهم ينجحون بصفتهم أفراداً وليسوا هم من يجدد اقتصاديات العالم.

 

في فصل البراعة الفرنسية:

1/- فرنسا عبارة عن ثلاثة سفوح أو أوجه ونتيجة لهذه الوجوه الثلاثة فهي تعد غربية و أوروبية ومتوسطية في آن. يوجد في الشمال الفرنسي جرمانيون، وفي الهضبة الوسطى والغرب كلتيون، وفي الجنوب متوسطيون. وجميع الفرنسيين سواء انتسبوا الى الجذع الجرماني او الكلتي أو المتوسطي يعتبرون أنفسهم فرنسيين على قدم المساواة من دون فارق ناتج عن العرق أو الدم الذي يجري في عروقهم.

 

2/- تتجلى قوة الأمة الفرنسية في الأسرة وفي الفرد خصوصا لا في الدولة. هناك أولاً ميل عملي يظهر خصوصاً في مزاج الفلاح الفرنسي وسلوكه التقليدي فهو يرتبط ارتباطاً شديداً بأسرته وأرضه وبكل ما يشده الى بيئته. أما في الحياة العامة فإنك ستجد أمامك رجلاً آخر ذا خصال أخرى ومن هذه الناحية نجد أن الفرنسي بوصفه رب عائلة يحرص على المصلحة المادية فضلا عن انه ذو عاطفة قوية مشبوبة تجاة الملكية الفردية. وهو في الأعمال الخاصة حسن التصرف يتمتع بروح القصد والاعتدال. لكن يؤخذ عليه عدم التطلع الى أعلى والرضا بالقليل. ونراه في حياته اليومية واقعيا يقف برجليه على الأرض ولا ينخدع بالكلمات.

وهم لايحبون الاستدانة وميزانياتهم دائما في حالة توازن وهم يرتبون معاشهم وفقا لقواعد الحكمة المالية التي ورثوها عن ابائهم، وهذة الحكمة وروح الادخار قد تتحولان الى ضيق في الافق ومادية. فالأمريكي أكثر بذلاً وكرماً من الفرنسي ولكنه اذا فقد ثروته فإنه يؤمن بإمكان تعويضها في حياته أما الفرنسيين فلا يحملون هذا الوهم. الفرنسي اذا ما اطمأن على مصالحه ثم حدد بسرعة مطامحه تحت هذا السقف تراه يحرر عقله بنوع من الفصل بين الفعل والفكر. فطموح الفرنسي معقول ومتواضع على العموم غاية ماينشده في حياته: منزل صغير وحديقة ومعاش يسد به رمقه ويقضي به غلته. وهناك مثل فرنسي يقول: “كوبي صغير ولكنه يطفئ ظمئي” ولا أعرف مثلاً آخر يعبر بأوضح من ذلك عن عقلية فرنسية معينة. 

 

3/- كل خير في فرنسا وكل شر فيها يأتي من مفهومها للفرد. والمسألة للفرد الفرنسي قبل كل شيء هي مسألة المطالبة بالاستقلال خصوصا الاستقلال الفكري. فالفرنسي يقول انه يفكر بنفسه ويقضي بنفسه ولا ينحني أمام اي سلطان فهو غير امتثالي ومعادٍ للدكتاتورية. ففي أمريكا قد تحصل على كل شيء بأسم “الفاعلية” أما في فرنسا فإنك لا تحصل من الفرنسي على شيء إلا بأسم “مبدأ ما”. فإن الفكر الفرنسي سواء كان ذلك من زاوية النقد أو من زاوية التعصب الايديولوجي يبدو بحق لا أداة من أدوات التحرر فحسب بل خميرة خطرة وثورية عند الاقتضاء، وحيثما يمر الفرنسي تهب من خلفه رياح تحرك الغبار وتزلزل أحيانا دعامات الدول. وفي الفكر الفرنسي يتكون رأيه الخاص في الدين، فجو الحياة الدينية في فرنسا لا يزال يحتفظ بشكل لا لبس فيه بالطابع الديني وإن بدا أنه غير مؤمن أحياناً ومتشكك في الدين أو حتى معادياً للدين، فإنه يعيش ويفكر ويتصرف في إطار من الفكر الروماني. لقد بلغ الفرنسيين في فرنسا درجة من تحرر العقل لم يعرفها بلد آخر، فقد تخلص العقل ليس من العقيدة فحسب بل ايضاً من إكراهات الأخلاق، فوصل الى استقلال لا تعرفه انكلترا المتطهرة ولا ألمانيا ذات النظام المنهجي ولا أمريكا صاحبة الفاعلية. 

 في التنظيم العقلاني الصناعي نجد “التفكير الفرنسي” الخلاق والبناء فكرياً في مواجهة ذلك النوع من المشكلات الذي يلذ له أن يعالجها. ولكن الفرنسي يفقد للأسف جميع صفاته عند التطبيق، والواقع انه يعشق الخلق والاختراع ثم كثيرا مايحدث ان يهمل التطبيق فلا يهتم به.. فهو يزرع في حين يحصد الأخرون. وسواء كان عاملاً أم فناناً أم أديباً فإن ما يدفعه الى العمل هو شرف المهنة و الكرامة. فالأعمال التي تتطلب سلسلة تجميع في هذا النوع من العمل حيث يفقد العامل شخصيته لا نلمس للفرنسي إلا موهبة يسيرة. فهو لا يكترث بالعمل الذي لا يهمه شخصيا فلا ينجزة جيدا. وهو لايعمل جيدا الا اذا كان يعمل لنفسه أو اذا تحمس لعمل يشعر انه مرتبط به. 

 

4/- يعتبر الفرنسيين الدولة أشبه ماتكون بكيان خارج عن الفرد وأعلى منه ومن المحتمل أن يكون خطراً عليه. والواقع أنهم يعتبرون الدولة عدواً الى حد ما ويجب على المرء أن يحمي نفسه منها ومن الحرص أن يبتعد المرء عنها ما أمكن. ففي فرنسا يحمل الفرنسيون شيئا من الاستنكار الخفي لكل من يدفع الضريبة او يسدد رسم الجمرك من دون أن يحاول أن يتخلص منها. لا يعتبرون انه شخصاً سيء وإنما يرونه مقصراً ولم يبذل ماكان في وسعه القيام به. وفي الواقع يرى الفرنسيين الدولة أداة قوة يمكن الاستيلاء عليها فإذا ما استولى عليها أصدقاؤهم فإنهم يستفيدون بها معهم. وهم بشكل عام يشعرون بالراحة في المعارضة أكثر من شعورهم بالراحة في التعاون. وعندما يلجأ الفرنسي الى السلطة العامة يجد نفسه تواقاً الى اعتبارها بقرةً حلوباً، يريد أن يحصل منها على الحد الأقصى فنراه عندئذ ينشد الامتياز والرعاية والتزكية أكثر مما ينشد المصلحة العامة. 

 

5/- ثمة فكاهة لا تخلو من الصواب تقول: أن فرنسي واحد يعني شخصاً ذكياً … فرنسيان اثنان يعني نقاش … ثلاثة فرنسيين يعني فوضى. أما إنكليزي واحد فيعني شخصاً غبياً … إنكليزيان اثنان يعني الرياضة … ثلاثة إنكليز يعني الإمبراطورية البريطانية. 

 

الفصل الثالث العناد الانكليزي:

1/- لكي نفهم الشعب الانكليزي على حقيقته علينا أن نبدأ بتحديد الأعراق التي تستوطنها. فالرجل السكسوني العمود الفقري لإنكلترا، أكثر الانكليز قومية وأصالة، أما الكلتي الذي يعتبر غريب الاطوار لا بل متقلبا نوعا ما فيلمع أكثر بوصفه فرداً، أما عن النورماندي هذا الاسكندنافي المؤجل والمتحول الى روماندي فإنه أعرق الأعراق وأكثرها أرستقراطية وأناقة. لأن هؤلاء الاسكندنافيين المؤجلين الذين كانو بالأمس من البرابرة قد تهذبوا بإقامتهم قرنين في فرنسا. 

 

2/- الاستيقاظ صباحا يتطلب طاقة في انكلترا، مثل عملية انطلاق صعبة وهذا يفسر استيقاظ الانكليز عادة متأخرين كما يوضح لنا سر تناولهم إفطاراً ثقيلاَ. الشعب الانكليزي سيء التكيف مع مناخه ومن هنا تجد في سلوكه ردات فعل خاصة جداً إزاء البيئة الطبيعية، فمن ناحية نرى خمولاً لدى العاديين الذين يواجهونه بالنوم، لكن من جهة أخرى يقاوم الأقوياء الحيويون وتتضاعف طاقتهم بهذه المقاومة ذاتها. فالألعاب الرياضية عامة وهي في الحقيقة رياضية فعلاً ليست هواية بقدر ماهي ضرورة، وهذا هو سر وجودها هنا إذ هو ثمن محافظة العرق على بقائه. فهم لم يشمخوا بأنوفهم على الطبيعة ولا نقول إن الانكليز مختلفون فقد يكون من المناسب ان نقول ببساطة انهم قوم طبيعيون، لا سيما وأنهم يعدون في صف أولئك الذين تغلب عليهم سلامة النية أكثر من الخداع والغدر، لأنه إذا وجد أن انكلترا قد مارست الخداع والغدر فلا بد ان يكون هذا قد حصل في ظروف خاصة جدا ودفاعا بشكل من الاشكال عن كيانها ووجودها. 

 

3/- واذا ما تحدثنا عن الخُلق الانكليزي فإن اول سؤال يتبادر الى اذهاننا هو عن طبيعة الذكاء البريطاني. لقد اشتهرت عبارة تقول: “وماذا يهم أن أكون غبياً؟ … يكفي أن لي أناقة إنكليزية!” لأن الإنكليز أنفسهم يشعرون بسرور غريب في الادعاء بانهم “أغبياء”. وإذا كان أصدقاؤنا في ما وراء المانش أغبياء حقاً كما يلذ لهم أن يصفوا أنفسهم فلابد أن تكون هذة الغباوة ذات طبيعة خاصة لأنه ليس هناك أي تواضع في هذا الاعتراف الذي يتحفوننا به. الانكليز يحتقرون ذكاء الفرنسيين القائم على المنطق ويحلو لهم دائما ان يدعوا انهم ليسوا من انصار المنطق، وهم متمردون على المذهب العقلي لديكارت العدواني في منطقه، والذي يحلل ويتبين ويعيد البناء، وهم في اعماقهم لايرون ان المشاكل قابلة لان تحل بطريقة هندسية مرضية. أما الفرنسي الحامل سيكولوجية الرجل صاحب الدخل الصغير فإنه يريد دائما ان يبحث لكل شيء عن حل وبعد ذلك يستريح ليأخذ ما يعادل تقاعداً.

أما اصدقاؤنا البريطانيون فإنهم أكثر حكمة لأنهم يعرفون أن الطبيعة ليست قابلة لمثل هذة الادعاءات. وفي رأيهم ان الحلول الوحيدة التي يمكن الوصول اليها هي حلول مؤقتة هشة زائلة وتحتاج الى تعديلات وتصويبات دائمة. والفرنسيون عندما يقولون عن شخص ما انه ذكي يعتقدون انهم قالوا كل شيء. ولكن الانكليزي يحترس بلا حياء من ذوي الذكاء اللامع. انه يعجب به ولاشك ولكنه اعجاب من يساوره القلق وعدم الارتياح على نقوده حين يجد نفسه بالقرب من مشعوذ ماهر. وهو ينظر الى رجل الفكر على انه بهلوان ويعتبر ان في الفكرية شيئا من مرض لا يدري كنهه. وانه ليضع امام الصفات اللامعة صفات متينة خيرا منها الف مرة. بل انه يذهب الى ماهو ابعد من ذلك حين يفضل القادة المضجرين نوعا ما ويقول عنهم ” انهم مأمونوا الجانب” في حين ان تدبيرا صامتا يبعد من الحكم من يمتازون بالفصاحة الزائدة او من يتمتعون بمواهب بارزة. ولنذكر انه لو لم تقع الحربان العالميتان لما وصل رجال مثل لويد جورج او ونستون تشرشل الى رئاسة الحكومة.

الفرنسيون حينما يريدون مقارعة الانكليزي الحجة بالحجة وان ينبغي اقناعهم بأسانيد لاتقبل المناقشة، يشعون ان ليس ثمة امامنا أحد ويحسون أنهم يصطدمون بنوع من الجدار الأصم ذلك لأن الانكليز يقفون في المناقشة على ارض اخرى وبالتحديد أكثر على مستوى آخر. وأيا كانت طبيعة الحجج والأسانيد فإنها لن تزحزحهم عن الموقف. ولا نستطيع اخيرا سوى الاعجاب بهذة الصخرة التي ترفض ان تتزحزح. أن يقول الانكليزي عن نفسه انه غبي! فكم هذا مريح! ونحن نقول هذا بغيرة دنيئة اذ هو يتحرر من المنطق ويسير بسهولة لا بل بلا وعي في المتناقض!

 

4/- الانكليزي يعجب بالفرنسي لذكائه واحساسه المرهف بالفن والفكر ولكنه لايثق بالفرنسي أخلاقياً. كما أننا نستطيع ان نرى نوعا من الابتعاد او الانطواء حين يتطلب الامر التعاون معنا. وحين يقررون التعاون معنا فإن ذلك يكون على طريقة التواطؤ بين طرفين. الانكليزي يأخذ الأمور على محمل شخصي في كل ما يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية. إلا اننا نشك كل الشك في أن يكون الرجل الانكليزي قادراً على أن يكوّن لنفسه رأياً عن الحرية فيما يمليه عليه عقله كالرجل الفرنسي، والواقع انه يتبع عن طيب خاطر الرأي الذي يشير به عليه زعماؤه ورؤساؤه. وربما يكون هذا هو سر الانتظام الجميل الذي يصنع قوة النظام البرلماني البريطاني. يبدو الانكليزي في مسألة القوة الاخلاقية فرد بذاته، فهو يعتبر الدين والسلوك مسألتان شخصيتان لأنه يعتبر نفسه مسؤولاً شخصيا عن أعماله وسلوكه، ويعتقد انه عليه ان يتصالح مع ذاته ومع ضميره ، وهذا الشعور الصامت بالواجب هو أحد الخصال المميزة للخُلق البريطاني.

ويجب أن نضيف أن الانكليزي مطيعاً رغبته وبسهولة وانه يحب ان يندمج في نظام يُرسم فيه عملا معينا له وليس في هذا اي ذلة او اي شعور بالتبعية. وثمة شيء من أعظم ماحققه الشعب البريطاني في حياته ألا وهو “النظام في وضمن الحرية”. إننا نستطيع ان نحصل على كل شيء من الرجل الانكليزي عن طريق شعوره نحو تأدية الواجب. كما نظفر بكل مانرجو من الرجل اللاتيني من طريق اعتداده بنفسه. إن كلمة “الجنتلمان” التي يوصف بها الرجل الانكليزي قائمة على هذا المبدأ “مبدأ الثقة”. ففي انكلترا هناك تشديد اقل على اداب العقل والفكر وتشديد اكثر على آداب السلوك والعادات. فعندما تقول الأم الفرنسية لأبنها “كن منطقياً” تقول الأم الانكليزية لأبنها “كن صالحاً”. الجنتلمان في هذة البلاد الموصوفة بالامتثالية هو الرجل الذي يعرف كيف يتصرف في العالم كما يعرف كيف ينتقي ملابسه. في الوقت والظرف المناسبين والذي يستطيع ان يبقى تحت مستوى درجة الكمال التي قد تجعله يؤخذ مأخذ الرجل الذي اتخذها مهنة.

الانكليزي هو الليبرالي التحرري بحق، انه لايفرض نفسه ولكن يريد ان يترك هادئا مطمئنا ويجب أن تحترم حياته الخاصة، وليس لكائن من كان ان يتدخل فيها ومع ذلك فإن هذه الليبرالية التحررية مصطبغة بلون من اللامبالاة والأثرة، فالشعب الانكليزي لا يشعر بوحدة غيرة من البشر وتضامنهم وقد يعتقد بعضهم انه شعب متغطرس يزدري غيرة، ولسنا متأكدين من ذلك ومع هذا فإننا نشعر بحرج حين نرسم حداً بين هذا الاحترام لحرية الاخر عند الانكليزي وانعدام اهتمامه الذي يوشك ان يكون احتقارا لكل ما يراه الاخر او يفعله في الحياة. ولكن ليس الانكليزي شخصيا بالرجل المتكبر ولكنهم متكبرين كمواطنين انكليز قومياً، فهم يعتقدون انهم من جوهر آخر غير جوهر الناس الاخرين الذين يشكلون بقية بني الانسان، وعندما نقول لهم انكم شعب الله فإنهم لايكونون بعيدين عن تصديق ذلك. 

 

5/- وفي مجال السياسة فقد وضعت انكلترا حلولا لمشكلات كثيرة ، فهي علمتنا بل برهنت لنا فعلا على ان الحرية والسلطة ليستا فكرتين متناقضتين وان الانسان يستطيع ان يطيع قوانين بلاده من دون ان ينال ذلك من كرامته وان الحرية لا تعني ابداً الفوضى وانعدام النظام، كما ان السلطة لا تعني الاستبداد. وليست الحكومة سلطة مفارقة ولكنها ببساطة تعبير عن المصلحة المشتركة ونوع من النيابة والتفويض عن الجماعة التي عليها ان تدير شؤونها بنفسها ولنفسها. وهم يعتبرون عن ايمان صحيح ان قوانين الاخلاق يجب ان تمتد الى السياسة، ومع ذلك فإن هذا الشعب يحب الحياة وقوانين الحياة لاتتفق للأسف مع هكذا مثالية. فرجل الدولة البريطاني يحاول في ممارسته للسياسة ان يحترم قوانين الأخلاق، بيد انه اذا لم تسعفه هذة القوانين اثناء ممارسته لحل مشكلة سياسية وتعارض هذا الحل مع سلامة الشعب، فإن التفويض الضمني لديه يسمح له بخرق قوانين الأخلاق من دون مبالاة وسيلقي عليه معطف نوح بعد ذلك من دون أدنى كلمة وستاراً من النسيان. 

 

 

 

– مقتبس وملخص من كتاب روح الشعوب

المعلق:

مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.