عهد

يُقال أنه في قرية من القرى خرج شابان يافعان في مقتبل العمر الى الصحراء طلباً لرزق كريم وحياة اجمل فيما خلف ما تخبئه لهم الرمال من حواضر وتجارات مزدهرة .. تعاهد الاثنان على ذات المصير برغم من حداثة السن وقلة معرفتهم بالحياة .. تعاهدا ان يكونا عونا احداهما للآخر ..

فسار الشابان وتوغلا في الصحراء والرمال .. واتفقا على أن يتناوبا على حراسة الآخر .. وظل الحال كذلك حتى مر عجوز من الشاب الأول والذي كان يسهر على حراسة صاحبه الاخر .. فمكث العجوز يحادث الشاب قليلا ثم ذهب بعد مدة .. ولما استيقظ الآخر اخبره ان رجلا عجوزا عرض عليه اجرا على ان يقوم على أمور تجارته وأملاكه في احدى القرى القريبة من هنا .. ولكني اعتذرت له لانه طلب مني الذهاب معه اثناء نومك ..

فصمت الآخر .. ثم قال الأمر يعود لك إما ان نكمل طريقنا او نفترق ؟ فقرر الأول انه علينا ان نكمل طريقنا سويا.. فإنطلقنا في طريقهما وعندما حل الليل توقفا ليتناوبا على الحراسة اثناء النوم.

عاد الرجل العجوز وظهر اثناء فترة مناوبة الشاب الأول نفسه .. وكرر عليه ذات العرض بالحاح واصرار اكبر من الليلة السابقة وقال له: أني وحيد وكهل كما ترى وأريد شاب اعتمد عليه على أني سأزيد من اجرك .. فاعتذر الفتى منه مره اخرى وأخبره انه خرج مع صاحبه ولا يمكنه ان يدعه ..

وعندما استيقظ الاخر أخبره الأول كيف ان الرجل العجوز ظهر من جديد وأنه اصبح في حيره من أمره ويشعر وكأن هذا قدره .. صمت الآخر وأخذ يفكر ثم قال: أنظر .. سنسير الان ونكمل طريقنا وان ظهر مجددا اطلب منه ان نذهب سويا لحيث يريد فإن قبل العرض رحلنا معا وان لم يقبل وأصر على ان تذهب معه بمفردك اثناء نومي سل سيفك فاقتله ..

سار الشابان من اول النهار وانطلقا قاصدان وجهتهما ثم ظهر العجوز مجددا أثناء الحراسة الليلية فسأله الشاب الأول: لماذا تظهر دائما اثناء مناوبتي على صاحبي؟ فقال: اراك أقوى منه وأقدر على العمل. فرد الشاب: علينا إيقاظه او انتظاره حتى يفيق ثم ننطلق جميعا..

أصر العجوز انه اذا أتى صاحبه معه عندها سيضطر الى ان يدفع له اجراً أيضا .. وهو لا يحتاج الا الى شاب واحد .. سكت الصبي واطرق رأسه ثم طلب من العجوز بغيظ ان يرحل قبل ان يقوم ويقتله .. اقترب العجوز منه وتعجب كيف تقتلني وانا في هذة السن واعرض عليك اجرا؟ هل أخبرت صاحبك بما عرضته عليك؟ يابني ماكان لك ان تفعل هذا وأن تخبره .. لابد انك اخبرته بصفاء نية ولكنك يابني مازلت صغيرا ولا تعلم كنه هذه الحياة .. اسألني عنها يابني لقد كنت أشبهك وفي نفس عمرك قبل ان اجمع لي من الاملاك الكثير ولكن لم يشأ الله أن يرزقني بأبن يتولى عني ماقد جمعته .. كما تعلم لا يوهب المرء كل شيء .. الحياة صعبة يابني اسالني انا فالفرص لا تأتي كثيرا .. أستجمع الشاب قوته ووقف فجأه وقال: ارني ماتملكه. ثم سار معه تاركا صاحبه خلفه

انطلقا و الشاب مطرق الرأس ويفرك وجهه بشدة. قال العجوز: لقد طمع صاحبك باجرك .. ان بنيته ضعيفة وليست مثلك ولا يمكنه الصمود في الصحراء بمفردة لقد علمت من رأيته انه يتكل عليك .. فتنهد الشاب والتفت لصاحبة ثم نظر للعجوز وقال: لقد كذبت .. إنما تريد ان تفرقني عنه لتسرقنا فاخرج سيفة وقتله بضربة سريعة .. وعاد الى صاحبه يصرخ عليه ويوبخه: استيقظ لقد قتلت العجوز كما أردت.. استيقظ .. هل أنت راضي؟ لابد أن تكون سعيد .. لماذا طلبت مني ذلك؟ لقد كان عجوزا فحسب ؟

جلس الاخر ونظر لصاحبه بهدوء وقال: ربما أراد ان يسرقنا اثناء نومي .. ماكان عليك ان تستمع له

: لكنك طمعت بأجري الذي عرضه علي .. ماادراك ؟ ما ادراك مايجعله يتبعني ليلتان في الصحراء ؟

: هذا الذي أريدك ان تجيب عليه؟ لماذا كان يتبعنا ؟ 

: لقد أرادني لتجارته .. لقد رأى انني اصلح لذلك

: هذا رأيك .. فلنتوقف عن النقاش إذن

حمل الاول نفسه وناقته وخرج تاركا صاحبه خلفة .. وظل صاحبه جالسا في مكانه صامت ويفكر وظل هكذا حتى قرب حلول المساء .. عاد الاول عندما هبط الليل وجلس بجانب صاحبه ثم رفع الآخر رأسه ونظر للبعيد وقال: ما أعادك ؟

: مازلت صاحبي

نظر لأسفل: ألأن الليل هبط؟ ألأنك أدركت ان لن تقدر على مواجهة الصحراء بمفردك؟

: اتعني انك اقدر مني على ذلك؟ ام تعني أني خائف؟

: لم اقصد .. ثم نظر لصاحبة وقال: لكن عليك ان تفكر كثيرا في السبب الحقيقي الذي جعلك تعود .. عليك ان تعلم وتعلمني لمن عدت؟ أعدت لأجلك ام لأجلي ؟

: بل لأجلك أنت

أشاح الاخر وقال: الان أصبح كل شي واضح جلي يا صاحبي ! ساقول لك أمراً فقط .. لاتشركني فيما يخصك من الان .. لم اعد اصدقك

ووقف الاخر ثم سار للامام قليلا وعاد فوقف امام صاحبه الذي كان جالسا في مكانه ويتابع سير الاخر بعينيه. نظر الاخر الى الأول بغضب وهو يشير اليه باصبعه ويكمل: لقد تعاهدنا على مصير ولقد فكرت بمصيرك مرتان .. لم تثق بي وانا لم اعد اصدقك .. فاذا دعاك داعي لرزق ايقظني وانطلق له .. اننا كنا شخصان في الصحراء بمصير و الان أراك ولقد اخذتك نفسك في ان تفكر بمصيرك فقط .. هنا حيث نحن .. هنا .. قال ذلك وهو يشير للأرض ثم تابع بيأس وهو ينظر للأعلى: فلقد انتهت صحبتنا يا صاحبي .. اذهب حينما تحل تلك الساعة وانظر كيف ستحيا بلا صحبة

 

المعلق:

مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.