فضيحة!

قال:

في أسرتك إنما ستُرتكب الجريمة. ستقع هذة الجريمة بين أخيك وذلك الثري أباك. فإذا وقع شيء في ذات يوم سيقول الناس: “لقد تنبأ به ذلك الشيخ الصالح”. هناك بالنسبة الى رجال من نوع أخيك -وهم رجال شرفاء في حقيقة أمرهم ولكنهم متأججون بالشهوات- فهناك حد يجب أن يتحاشى المرء تجاوزه في معاملتهم وإلا أصبحوا لا يتورعون حتى عن قتل أبيهم! وأبوك رجل فاسق فاجر سكير عربيد لم يعرف القصد والاعتدال في شيء من الأشياء يوماً، فلن يسيطرا على نفسيهما وسينجرف الإثنان. أسمع .. إنك تقول دائما الحقيقة رغم أنك تجالس ذاك الكاذب صاحبك. إن أخاك رجل شريف -هو غبي لكنه شريف- غير أن من أساس طبيعته أنه يحب الملذات وهو العنصر المسيطر على نفسه. ولقد أخذ هذا عن أبيك الذي أورثه شهوانيته الخبيثة. إني لأستغرب في بعض الأحيان حين أنظر إليك، كيف أستطعت أن تحافظ على طهارتك ؟ إنك واحد من أسرتك أيضا والميل الجامح الى اللذة قد وصل إلى أوجه! وهناك شيء .. شيء لا تستطيع الآن أن تدركه أيها الأخ! حين يتوله بعض الرجال بحب إمرأة جميلة، ويعشقون جسدها أو حتى جزءا من جسدها -وهذا مايفهمه الشهواني جيداً، يجب ان يكون المرء مترف الذوق ليفهم هذا- فإنهم يصبحون مستعدين للتضحية في سبيلها، أن يبيعوا أبائهم ووطنهم من أجلها، قد يكونون شرفاء فإذا هم يسرقون، وقد يكونون وديعين فإذا هم يقتلون.

  • رد الفتى: أنا أفهم ذلك

 هه! لابد أنك تفهمه فعلا مادمت قد أعترفت بذلك على هذا النحو منذ الكلمات الأولى التي نطقت بها. ولقد قلت قولك دون أن تريد ذلك، وإنما زل به لسانك. وهذا يجعل لإعترافك قيمة أكبر فالموضوع ليس بالجديد عليك. ولاشك أنك فكرت إذاً في الشهوة! ذلك هو فتانا العف الذي احتفظ بطهارته! هه هه .. أنا أعلم إنك إنسان رقيق القلب وصالح ولكن مهما تكن فتى وديعاً هادئاً فإن الشيطان وحده هو من يعلم مالذي تفكر فيه ومالذي أصبحت تعرفه منذ هذه السن! أنت إبن هذة الأسرة تاماً كاملاً .. ولابد أن نؤمن بأن للعرق والوراثة أثراً رغم كل شيء .. أنت شهواني من جهة أبيك، بسيط من جهة أمك. مالي أراك ترتعد؟ ربما لأنني أقول الحقيقة؟ .. هل تعلم ماذا حدث؟ لقد تضرعت لي تلك المرأة التي سلبت عقل أخاك وأباك قائله: “جئني به -وكانت تتكلم عنك- جئني به فأخلع عنه ثوب الزاهد الذي يرتديه” ليتك تعرف كم ألحت: “جئني به! جئني به” ولقد تساءلت مالذي يجذبها فيك إلى هذا الحد؟ .. هي إمرأة خارقة صدقني!

  • هه .. بلغها تحياتي، وقل لها إنني لن أجي .. هه هه. أكمل ماكنت تريد أن تقوله وسأفصح لك عن فكرتي بعد ذلك. 

ماحاجتي إلى مزيد من الكلام ؟ إن كل شيء واضح . معروف من زمان. إذا كان فيك أنت إنسان شهواني، فما بالك بأخيك؟ إنه يسلي نفسه الآن بنشر مقالات لاهوتية من باب الهزل، وهو في الحقيقة ملحد وهو لا يخشى أن يعترف بهذة الحطة، وزيادة على هذا هو ينصرف إلى هذة المرأة بأقصى سرعة وأباك مجنون بهذة المرأة جنون قط بقطة ..

  • أخي يهدف إلى ماهو أسمى من ذلك لن يغتر بكل هذا، إنه يتوق إلى الألم ويرنوا للعذاب

وما هذا الحلم أيضا ؟!!

  • إسمع .. إن نفس أخي عاصفة، وإن عقله مهموم. إن فكراً عظيماً يقطن فيه ويعذبه، هو من أولئك الذين يتطلعون إلى حل مشكلات فكرهم.

هذه ترهات لفظية .. سرقات أدبية !. إن مقالاته مضحكة باطله “لا وجود للفضيلة والخير مادام لا وجود للخلود، ويعني ذلك أن كل شيء جائز مباح” !! هذة النظرية لا تغري إلا أناساً أوغاداً. مهلاً .. مالي أصبحت فظاً فأنطق بهاجر القول! هذة بلاهة .. لكن أخاك ليس وغد، بل هو مثقف مدعي يحمل في نفسه “أفكاراً عويصة” !! ألا إنه لمتبجح! .. إن جوهر تفكيرة هو مايلي (من جهة يستحيل إنكار الخير والفضيلة، ومن جهة يستحيل عدم الإعتراف بها) !! هذة ليست نظرية إنها سفاهه. لأن الإنسانية ستجد في نفسها القدرة على أن تحيا للخير والفضيلة، سواء كانوا يؤمنون بخلود الروح أم يجحدون ذلك! لسوف تجدهم يستلهمون معاني للخير كالحرية والمساواة والأخوة وينادون بها 

  • قل لي من قص عليك هذة التفاصيل؟ ومن أين جئت بها؟

– لقد سمعته من غير إراده مني طبعاً، لأنني كنت في غرفة تلك المرأة ولم أكن أستطيع الخروج منها لأن أباك كان جالساً في الغرفة المجاورة

  • صحيح .. لقد سمعت إن تلك المرأه قريبتك .. أليس كذلك؟

  • قريبتي؟ تلك المرأة ؟!! أتراك جننت ! أيكون عقلك مختلاً ؟ 

  • لماذا ؟ ألستما قريبين؟ لقد سمعت ذلك؟ ..

– سمعت؟ أين سمعت هذا؟ إنكم معشر السادة تصطنعنون أوضاع من ينمتي إلى الطبقات الرفيعة !! على حين أن أباك لم يكن إلا مهرجاً في الموائد التي يقيمها النبلاء ! .. قد يكون ثمة أسباب تدعوني إلى التردد إليها، لن أقول لك أكثر من ذلك. أما قرابتي بها فإن أخاك أو ربما أباك هو الذي سيفرض عليك هذة القرابة بتلك المرأة. عليك أنت لا علي أنا .. ها نحن وصلنا الآن إلى نهاية هذا الحديث.

-مقتبس من رواية"الأخوة كارامازوف"

رأيي:

قضايا دوستوفيسكي تحمل بعضاً من الغرابة والفساد. لأنها تدور في رواية الجريمة والعقاب مثلا على فكرة فاسدة وغير صحيحة وزيادة على كل ذلك هو يجعل بين الفضيلة والرذيلة رابط وعلاقة. أحيان أشعر بأنه يتخذ في رواياته وضعية “محامي الشيطان” إن كنت أفهم هذا المصطلح بالمعنى الدقيق فإن أردت أن أصور دور إبليس الرجيم في حواره مع ضحاياه، سيكون هذا دستوفيسكي في إنفاذه لرذيلة والتبرير لها ثم التملص منها في نهاية الرواية (تحديدا بعد أن تقع الفكرة) ليتخلى عن شخصياته تواجه مصيرها البائس .. كما يفعل إبليس تماما مع ضحاياه.

في بداية الرواية يظل دستوفيسكي على تمجيد فكرة باطلة ويبرر لها، ثم وفي نهاية الرواية يترك شخصياته لوحدها بعد أن هدم كل أحلامها وطموحاتها التي رسمها لها في بداية الرواية .. هذا يشعرني أن هناك خطورة في فكرة رواياته،  أقصد في فكرة ربطة بين الرذائل والفضائل، لأنها لا تطري أساساً على قلب إنسان ذو عقل ورجاحة، فالإنسان بطبعة يعي ماهو الخير والشر .. ويستحيل ان تصطبغ عليه الرذيلة بلباس الفضيلة. لأنه يعي فساد الأفكار بالفطرة (إلا اللهم) حتى يأتي إليه من يمثل الشيطان في دفاعه عن الشر فيبررها له ويزينها في قلبه ويخلق لها أسباب منطقية ثم في الأخير يهدم كل هذا (أي بعد أن يُمكن الشخصية من أن تفعل الشر) فينقلب على شخصياته ويبدأ بالتضييق عليها وتحطيم كل ما مناها به دفعةً واحدة وبتصرف واحد .. أليس هذا هو بعينه سلوك إبليس؟

المعلق:

مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.